ليست محاكمة إيلون ماسك ضد OpenAI وسام ألتمان مجرد مواجهة جديدة بين اسمين كبيرين في عالم التقنية. السؤال الأعمق داخل قاعة المحكمة هو: عندما تُبنى مؤسسة في مجال الذكاء الاصطناعي على وعد غير ربحي ورسالة للمنفعة العامة، هل يبقى هذا الوعد مؤثراً عندما تكبر الشركة وتتحول إلى هيكل تجاري أكثر وضوحاً؟
ماسك يتهم OpenAI وألتمان وغريغ بروكمان بالتراجع عن تعهد إبقاء OpenAI مؤسسة غير ربحية، بينما تقول OpenAI إن الدعوى لا أساس لها.[8] وبحسب Business Insider، فإن أحد محاور القضية هو ادعاء ماسك أنه تبرع بنحو 38 مليون دولار لأنه صدّق أن OpenAI ستبقى غير ربحية وتطوّر الذكاء الاصطناعي لصالح الجمهور لا لمكاسب خاصة.[
12]
ما الذي تحاول المحكمة فرزه؟
وفقاً لتقرير ABC/AP، تشير أدلة قُدمت قبل المحاكمة إلى أن ماسك وألتمان اتفقا في عام 2015 على بناء الذكاء الاصطناعي بطريقة أكثر مسؤولية وأماناً، في مقابل نموذج الشركات الربحية الصرفة.[3] هذه الخلفية ليست تفصيلاً تاريخياً فقط؛ فهي أساس السرد الذي يقدمه ماسك عن نشأة OpenAI وعن سبب دعمه لها.
هنا تظهر العقدة القانونية والسياسية معاً: هل كانت لغة الرسالة العامة والهيكل غير الربحي مجرد طموح واسع؟ أم كانت أساساً محدداً اعتمد عليه المتبرعون والداعمون؟ إذا كانت الأولى، فقد تكون آثارها القانونية محدودة. أما إذا ثبت أنها وعود ملموسة ارتبطت بالتمويل والدعم، فالسؤال يصبح: هل تعارضت البنية التجارية اللاحقة مع تلك الوعود؟[8][
12]
ماذا حدث في اليوم الثاني من شهادة ماسك؟
تجري المحاكمة في المحكمة الفيدرالية في أوكلاند بولاية كاليفورنيا، وتشرف عليها القاضية الفيدرالية إيفون غونزاليس روجرز؛ كما حضر ألتمان ورئيس OpenAI غريغ بروكمان الجلسات، وفق CNBC.[8]
في شهادته يوم الأربعاء، وهي اليوم الثاني له على منصة الشهود، بدا ماسك حاداً تحت أسئلة محامي OpenAI ويليام سافيت. وذكرت BBC أنه قال للمحامي إن أسئلته ليست بسيطة وإنها تبدو مصممة لاستدراجه أو خداعه.[1]
أما Guardian فذكرت أن ماسك كرر اتهامه لألتمان بأنه «سرق مؤسسة خيرية»، وقال إن تمويله OpenAI في بداياتها جعله يبدو كأنه «أحمق».[7] هذه العبارات الحادة صنعت عناوين لافتة، لكنها لا تختصر القضية كلها. فالمحكمة لا تنظر فقط في خصومة شخصية، بل في علاقة التمويل الخيري بالثقة وبالتحول التجاري داخل واحدة من أبرز شركات الذكاء الاصطناعي.[
5][
8]
لماذا أصبح رقم 38 مليون دولار محورياً؟
الرقم مهم لأنه ينقل النزاع من مستوى الانطباعات والرسائل العامة إلى سؤال الاعتماد المالي. فبحسب Business Insider، يقول ماسك إن ألتمان ومسؤولين آخرين أوهموه بأن OpenAI ستبقى غير ربحية ومكرسة للمنفعة العامة، وبناءً على ذلك تبرع بنحو 38 مليون دولار.[12]
بهذا المعنى، لا يدور النقاش فقط حول من كان على حق في خلاف إداري قديم. إذا تمكن متبرع من إقناع المحكمة بأنه قدم أموالاً استناداً إلى تعهدات محددة، فستحتاج المحكمة إلى النظر في ما إذا كانت تلك التعهدات تظل ذات أثر بعد إعادة هيكلة الشركة أو تغير نموذجها.[12]
حتى طبيعة التعويضات المطلوبة تعكس هذا التحول في التركيز. فبحسب CNBC، كان ماسك قد سعى سابقاً إلى تعويضات شخصية تصل إلى 134 مليار دولار، لكنه يطلب الآن توجيه «كل المكاسب غير المشروعة» إلى المؤسسة الخيرية التابعة لـ OpenAI.[8]
عبارة «لا يمكنهم الجمع بين الأمرين» تلخص موقف ماسك
قال ماسك في اليوم الثاني من شهادته إن OpenAI لا تستطيع أن «تأخذ الأمر من الجهتين»، بحسب NBC. وشرح فكرته بأن الشركة لا يمكنها الاستفادة من صفة المؤسسة غير الربحية، ومن التمويل المجاني والهالة الإيجابية المرتبطة بالعمل الخيري، ثم تسمح في الوقت نفسه بإثراء نفسها أو جهات خاصة بدرجة كبيرة.[5]
هذه العبارة تلخص لبّ موقفه: الصفة غير الربحية، في رأيه، لا ينبغي أن تكون غلافاً تسويقياً. فإذا جمعت مؤسسة الأموال والثقة والمواهب على أساس أنها تعمل للمنفعة العامة، فإن تحولها لاحقاً إلى بنية تجارية أوسع يفتح سؤالاً صعباً: ماذا يبقى من الوعود الأولى؟[5][
12]
كيف زادت إعادة هيكلة OpenAI حساسية النزاع؟
ذكرت NBC أن OpenAI أكملت في أكتوبر/تشرين الأول إعادة هيكلة مؤسسية انتقلت فيها من نموذج capped-profit، أي نموذج يسمح بالربح ضمن سقف محدد، إلى بنية أقرب إلى الشركة الربحية التقليدية.[5] هذا التطور جعل ادعاءات ماسك أكثر ارتباطاً بالحاضر، لا بالماضي فقط.
من جهة ماسك، القصة واحدة: تعهدات التأسيس غير الربحية، التبرعات، ثم التحول التجاري. ومن جهة OpenAI، الدعوى بلا أساس، كما نقلت CNBC.[8] وحتى الآن، ما تعرضه التقارير المتاحة هو مواقف متقابلة داخل محاكمة جارية، لا حكماً نهائياً يحسم جوهر الادعاءات.[
8]
لماذا تهم القضية أبعد من ماسك وألتمان؟
تقول ABC/AP إن شهادتي ماسك وألتمان المتقابلتين قد تكشفان جانباً من التفكير الذي سبق سباق الذكاء الاصطناعي الحديث، وكذلك كيف تفككت علاقة التعاون بينهما.[3] لكن البعد العام لا يقف عند قصة صداقة انتهت أو صراع نفوذ داخل وادي السيليكون.
القضية تضع أمام صناعة الذكاء الاصطناعي سؤالاً بالغ الحساسية: عندما تستخدم شركة لغة مثل الأمان، والمنفعة العامة، وخدمة البشرية لجذب التمويل والثقة، هل تصبح هذه اللغة التزاماً يمكن مساءلتها عنه عندما تظهر قيمة تجارية ضخمة؟ أم تبقى جزءاً من خطاب تأسيسي واسع لا يقيّد مستقبل الشركة؟[3][
5][
12]
ثلاث نقاط تستحق المتابعة
- مدى تحديد الوعد غير الربحي. سيحتاج ماسك إلى ربط تصريحات OpenAI المبكرة بالتزام يمكن مساءلته قانونياً، بينما تتمسك OpenAI بأن الدعوى بلا أساس.[
8][
12]
- صلة التبرع بالثقة. يدعي ماسك أن تبرعه البالغ نحو 38 مليون دولار جاء بناءً على وعود بأن OpenAI ستبقى غير ربحية وتعمل لصالح الجمهور لا لمكاسب خاصة.[
12]
- قراءة إعادة الهيكلة. انتقال OpenAI من نموذج الربح المحدود إلى بنية ربحية أكثر تقليدية سيظل خلفية أساسية: هل هو تطور طبيعي لشركة كبرت، أم تعارض مع رسالة التأسيس؟[
5]
الخلاصة أن المحاكمة لم تعد مجرد خلاف بين مؤسسين سابقين. إنها اختبار لطريقة تعامل قطاع الذكاء الاصطناعي مع وعوده الأولى: هل تكون الرسالة العامة جسراً للانطلاق فقط، أم التزاماً يبقى حاضراً عندما تتحول الفكرة إلى شركة ذات قيمة تجارية هائلة؟[5][
8][
12]




