مع اقتراب الظهيرة، قفزت درجات الحرارة في سهل عرفات نحو 40 درجة مئوية، لكنها لم تكن سوى البداية. كانت هيئة إدارة الكوارث الوطنية الباكستانية قد أصدرت تحذيراً رسمياً من الحرارة المفرطة طيلة فترة الحج (25–29 مايو)، محذرة من أن الحرارة في مكة قد تصل إلى 47 مئوية (116.6 فهرنهايت)، وفي المدينة المنورة إلى 44 مئوية . وقد نبه التحذير تحديداً إلى خطورة جبل عرفات، التل الصخري المكشوف الذي لا يوفر أي ظل طبيعي، والذي تعتبره الهيئة الملكية لمكة المكرمة والمشاعر المقدسة أعلى موقع خطراً في أخطر أيام الحج
.
ورداً على ذلك، شنت السلطات السعودية جهود تخفيف واسعة النطاق. اصطف المتطوعون على طول الطرق المؤدية إلى الجبل، يوزعون عبوات المياه والمظلات والطرود الغذائية على مئات الآلاف من الحجاج السائرين على الأقدام . وانتشرت الفرق الطبية بطول الطريق، فيما حث المسؤولون المصلين على شرب الماء، وتجنب التعرض المباشر للشمس في ساعات الذروة، والتوجه لأقرب نقطة طبية عند أول إشارة إنهاك حراري
.
مع ثبوت الرؤية في 17 مايو، أعلنت السعودية والإمارات وسلطنة عُمان وقطر وباكستان والكويت والبحرين والأردن، ولائحة طويلة من الدول أن أول أيام عيد الأضحى هو الأربعاء 27 مايو 2026 (10 ذي الحجة 1447 هـ) . وامتدت القائمة عبر جنوب شرق آسيا، حيث سبق لإندونيسيا وماليزيا وبروناي أن أعلنت تزامنها مع الرؤية السعودية
. وكذلك حددت عدة دول غربية منها الولايات المتحدة وكندا والمملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا يوم 27 مايو أولَ أيام العيد
.
غير أن المشهد في الهند كان الأكثر انقساماً. ففي حين احتفت الجالية المسلمة في إقليم كشمير بالعيد يوم 27 مايو متبعةً الرؤية السعودية، أجلت بقية الهند الاحتفال يوماً واحداً إلى 28 مايو، التزاماً بالرؤية المحلية للهلال التي تأخرت 24 ساعة .
تصدرت إندونيسيا قائمة الدول مرة أخرى بأضخم بعثة حج دولية. فبحصة بلغت نحو 221 ألف تأشيرة، شكّلت أكبر دولة إسلامية من حيث عدد السكان ما يقارب واحداً من كل سبعة حجاج من الخارج . وتلتها باكستان عن كثب بنحو 179-180 ألف حاج، فيما أرسلت الهند قرابة 175 ألفاً، وبنغلاديش نحو 127 ألف حاج
. هذه الدول الأربع في جنوب وجنوب شرق آسيا مجتمعةً مثّلت قرابة نصف إجمالي الحضور الدولي في حج 2026
. وجاءت نيجيريا في المرتبة الخامسة بنحو 95 ألف حاج
.
لم تواجه أي بعثة طريقاً إلى مكة أكثر تعقيداً من بعثة إيران. فالنزاع العسكري الأمريكي-الإسرائيلي مع إيران، الذي تصاعد في 28 فبراير 2026، أغلق المجال الجوي فوراً وأوقع منظمي الحج الإيرانيين في دوامة . في بداية العام، كان الحجاج الإيرانيون يخططون لقوافل برية عبر معبر جديدة عرعر الحدودي مع العراق؛ مئات الحجاج على متن حافلات تعبر دولة ثالثة لأن الرحلات الجوية المباشرة من طهران صارت مستحيلة
.
سمحت هدنة لاحقة باستئناف جزئي للرحلات الجوية، وخُصص لإيران نحو 30 ألف مقعد حج، أي ما يمثل 34% فقط من حصتها الرسمية البالغة 87,550 مقعداً . وهو رقم يعني تقليصاً بنحو الثلثين مقارنة بنحو 90 ألف حاج إيراني حضروا في 2025
. بدأ الحجاج الإيرانيون في الوصول جواً أواخر أبريل، لكن الرحلة لم تفقد طابعها الحربي أبداً
.
وامتدت أصداء الحرب بعيداً عن إيران. فقد استوعبت الحكومة الإندونيسية تكاليف طيران إضافية بلغت 107 ملايين دولار لحماية 221 ألف حاج من ارتفاعات الأسعار الناجمة عن إعادة توجيه مسارات الطيران وارتفاع أسعار وقود الطائرات . وتدخلت باكستان وماليزيا بدعم حكومي أيضاً، بينما فرضت الهند رسماً إضافياً قدره 100 دولار على كل حاج لتعويض كلفة الوقود المرتفعة
.
تشير تقارير غير مؤكدة من وسائل إعلام متعددة إلى أن الحج هذا العام خلا من أي بعثة رسمية من غزة. لقد جعلت الحرب المستمرة والحصار هناك أي سفر منظم مستحيلاً. كما واجه الحجاج الفلسطينيون من الضفة الغربية قيوداً شديدة، وإن تمكن بعضهم من بلوغ السعودية عبر الأردن. المصادر التي اعتمدناها في هذا التقرير لم تقدم أرقاماً دقيقة ومؤكدة لحجاج غزة، غير أن الإجماع في التقارير يشير إلى استبعاد شبه كامل .
لم يخل تقرير إخباري رئيسي عن حج 2026 من الإشارة إلى الثقل الجيوسياسي الاستثنائي الملقى على عاتق الفريضة. عناوين الأخبار وصفت مصلين يضرعون على جبل عرفات "رغم ظلال الحرب التي تخيم على الشرق الأوسط" . والسعودية، بصفتها خادمة الحرمين الشريفين، حافظت على سياسة عدم تسييس الحج – لكن المعادلة باتت حتمية. لقد استضافت المملكة 30 ألف مواطن إيراني على أرضها، فيما واصلت قوات موالية لإيران زرع الألغام البحرية في مضيق هرمز، وفي وقت يستمر فيه وقف إطلاق نار هش بلا آلية تمديد رسمية
.
تحليلات متعددة أشارت إلى أن الحج بحد ذاته صار شكلاً من الردع والتقييد – تجمع بشري هائل ومقدس إلى درجة أنه حدّ من الخيارات العسكرية لكل الأطراف . لكن بالنسبة لـ 1.5 مليون حاج على سهل عرفات، كانت الحرب مجرد همهمة بعيدة، وإن كانت تبعث على القلق. بقي تركيزهم منصباً على الشعيرة الآنية: الوقوف بين يدي الله في يوم المغفرة، في المكان الذي يُعتقد أن النبي محمداً ﷺ ألقى فيه خطبته الأخيرة.
Comments
0 comments