يركّز أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لشركة «بالانتير»، على سؤال بسيط لكنه شديد الحساسية: من يدفع الثمن إذا تسبب نظام ذكاء اصطناعي متقدم في ضرر اقتصادي أو مادي واسع؟
من وجهة نظره، يجب أن يبدأ الجواب من المطور نفسه. فإذا كان بإمكان نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة إحداث أضرار هائلة، فينبغي للشركات التي بنتها أن تتحمل المسؤولية المدنية، وربما الجنائية، عن النتائج. لكن هذه المسؤولية قد تصبح، بحسب كارب، مفتوحة السقف إلى حد يصعب معه على الملكية الخاصة أو التمويل عبر سوق الأسهم استيعابها.
11
24
«المساءلة أولاً» قبل أي غطاء حكومي
قال كارب لشبكة CNBC إنه يؤيد وضع «إرشادات معقولة» للذكاء الاصطناعي، بشرط أن تكون قابلة للتنفيذ. لكنه شدد على أن الحماية الأولى ليست إنشاء طبقات جديدة من الهيئات التنظيمية، بل محاسبة الشركات وقادتها على أفعالهم عندما تتسبب تقنياتهم في ضرر.
10
17
وهذا هو الأساس الذي يقود إلى طرحه الأكثر إثارة للجدل: احتمال سعي مختبرات الذكاء الاصطناعي الرائدة إلى التأميم أو شكل من أشكال الملكية الحكومية. فهو يعتقد أن العملاء قد يرفعون دعاوى واسعة ضد تلك المختبرات، ولا سيما في قضايا الملكية الفكرية المؤسسية والبيانات الخاصة التي قد تُمتص أو تُستخدم داخل أنظمة الذكاء الاصطناعي.
16
21
ولا يعني ذلك أن الحكومة الأميركية أعلنت خطة للاستحواذ على مختبرات الذكاء الاصطناعي، أو أن «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» طلبتا هذا الترتيب. ما نُقل هو تفسير كارب بأن تدخل الدولة قد يتحول إلى غطاء أو سند للمسؤولية في مواجهة ما يصفه بمخاطر «غير محدودة».
11
15
لماذا يشكك في ملاءمة الطرح العام؟
عادةً يستطيع المستثمرون في الأسواق العامة تقدير مخاطر مثل المنافسة وتكاليف التشغيل والتنظيم والدعاوى المعروفة. أما في الذكاء الاصطناعي المتقدم، فيرى كارب أن حجم الالتزامات المحتملة قد يكون أصعب بكثير في التسعير مسبقاً.
فإذا نتج عن نموذج واحد ضرر يطال عدداً كبيراً من العملاء أو أصحاب الحقوق الفكرية أو أطرافاً أخرى، فقد تتراكم دعاوى يصعب تقدير نطاقها وكلفتها. لا يثبت ذلك أن شركات الذكاء الاصطناعي المتقدم لا تستطيع الإدراج في البورصة، لكنه يفسر شك كارب في أن يكون الاكتتاب العام الأولي، أو IPO، كافياً إذا تحمل المطور كامل تبعات الأضرار الجسيمة.
5
11
وبذلك، فإن السؤال السياسي والاقتصادي الأهم ليس التأميم في حد ذاته، بل توزيع الخسارة: هل تقع على المطور والمستثمرين والعملاء وشركات التأمين، أم تنتهي في النهاية على عاتق الدولة؟ كارب يريد أن يتحمل المطور العبء أولاً.
17
24
الإفصاح والرقابة: ما الذي لم يقدمه كارب؟
دعا كارب إلى قواعد قابلة للتطبيق ومساءلة فعلية، لكن التقارير المتاحة لا تُظهر أنه قدم نظاماً مفصلاً للإفصاح للشركات المدرجة، أو آلية محددة لفحص النماذج من قبل الجهات الرقابية.
10
11
وفي الخلفية، توجد مفاضلة حقيقية: الرقابة الفعالة قد تتطلب فحص سلوك النموذج وضماناته وآليات نشره، بينما تريد الشركات وعملاؤها حماية المعلومات التقنية الحساسة والبيانات المملوكة لهم. وكان كارب قد قال منفصلاً إن على المؤسسات حماية بياناتها كي لا تخسر أعمالها لصالح صانعي النماذج.
21
لذلك لا يصح نسبة خطة متكاملة إليه بشأن إفصاحات المستثمرين، أو وصول الجهات التنظيمية إلى بيانات العملاء، أو تفاصيل عمليات التدقيق. رسالته العلنية كانت أضيق: قواعد قابلة للإنفاذ ومسؤولية قانونية واضحة على المطورين.
10
11
أنثروبيك وأوبن إيه آي: الواقع لا يرسم مساراً واحداً
الوقائع القريبة لا تؤيد فكرة أن مختبرات الذكاء الاصطناعي المتقدم عاجزة بالضرورة عن الوصول إلى الأسواق العامة.
فقد ذكرت رويترز أن «أنثروبيك» قدمت في 1 يونيو/حزيران 2026 طلباً سرياً إلى الجهات التنظيمية الأميركية تمهيداً لطرح عام، قبل أن تقدم «أوبن إيه آي» طلباً مشابهاً في الأسبوع التالي.
28 وهذه الخطوة لا تنسجم بسلاسة مع فرضية كارب بأن مخاطر المسؤولية تجعل الإدراج التقليدي غير قابل للاستمرار.
أما «أوبن إيه آي»، فاختارت تأجيل التوقيت. وقال رئيسها التنفيذي سام ألتمان إن الشركة لن تطرح أسهمها في 2026، معتبراً أن هذه لحظة «غير مناسبة» للطرح في ظل عمل الشركة على السلامة، ومؤكداً أنها لا تشعر بضغوط للإدراج فوراً.
27 وهذا تبرير متعلق بالتوقيت والسلامة، وليس تأييداً لنظرية كارب حول التأميم.
وقد خص كارب «أنثروبيك» بانتقاداته، زاعماً أن بعض دعوات مختبرات الذكاء الاصطناعي إلى تحرك حكومي ترتبط بالرغبة في تفادي التعرض القانوني مستقبلاً. لكن هذا توصيف منه للدوافع، لا حقيقة مثبتة عن استراتيجية «أنثروبيك».
16
15
أين يقف كارب في جدل سياسات الذكاء الاصطناعي؟
يختلف موقف كارب عن الدعوة إلى ترك القطاع بلا قيود، كما يختلف عن المطالبة بإبطاء التطوير على نطاق واسع. فهو يؤيد قواعد وعواقب للمطورين غير المسؤولين، لكنه يعارض تباطؤاً أميركياً أحادياً لأن المنافسين الجيوسياسيين سيواصلون التقدم في الذكاء الاصطناعي.
19
20
في المقابل، ركزت شخصيات بارزة أخرى في القطاع على إبطاء تطوير أو نشر أكثر الأنظمة قدرة إلى أن تلحق به معايير السلامة والاختبارات والحوكمة. وذكرت CNBC أن داريو أمودي من «أنثروبيك»، وسام ألتمان من «أوبن إيه آي»، وإيلون ماسك دعموا توجهاً لإبطاء تطوير الذكاء الاصطناعي المتقدم.
11
ويمكن تبسيط الخلاف إلى ثلاثة مسارات:
- المسؤولية أولاً: تحميل المطور كلفة الضرر بعد وقوعه أو بعد نشر النظام بطريقة ضارة.
- السلامة قبل النشر: تشديد الاختبارات والقيود، وربما إبطاء زيادة قدرات النماذج، قبل أن يقع الضرر.
- المنافسة الاستراتيجية: التحذير من أن القيود الأحادية قد تضعف قدرة الولايات المتحدة في سباق الذكاء الاصطناعي.
ولا تزال السياسة الأميركية نفسها محل نزاع بين الإطار الاتحادي، وتنظيم الولايات، والتنسيق الدولي. وأشار مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS إلى أن مخاوف الحكومة الفدرالية من كلفة الإفراط في التنظيم ترافقت مع معارضة بعض جهود الولايات لتنظيم الذكاء الاصطناعي المتقدم، فيما انتقل جانب من النقاش الدولي نحو السيادة والاستثمار والتبني، إلى جانب السلامة والحوكمة.
26
ماذا يعني ذلك لـ«بالانتير»؟
يتوافق طرح كارب بطبيعته مع بيئات نشر يمكن ضبطها وتدقيقها، ومع حماية بيانات المؤسسات، والمشتريات الحكومية، والرقابة في القطاعات المنظمة. وهذه ظروف تبدو ملائمة تجارياً لشركات لديها خبرة مع الحكومات والقطاعات شديدة التنظيم مثل «بالانتير».
لكن التوافق التجاري لا يثبت الدافع. والخلاصة المدعومة بالأدلة أضيق من ذلك: كارب يستخدم نقاش المسؤولية ليؤكد أن مطوري الذكاء الاصطناعي المتقدم لا ينبغي أن يتمكنوا من تفادي تبعات المخاطر التي تخلقها أنظمتهم. ويبقى السؤال مفتوحاً: هل تكون الملكية الحكومية حلاً، أم يمكن لقواعد مسؤولية أوضح، والتأمين، ومعايير السلامة، والرقابة المستقلة أن تعالج الخطر من دون ذلك؟
11
24