يتضاعف أثر الدمار بفعل حصار خانق على الاستيراد. لم تدخل أي لحوم طازجة إلى غزة طوال ثلاثة أشهر، وتمنع إسرائيل بشكل قاطع إدخال الحيوانات الحية المعدة للأضاحي . يقول أحد كبار مربي المواشي سابقًا في غزة، والذي يدير الآن مطعمًا صغيرًا يعتمد على كميات محدودة جدًا من اللحوم المجمدة المسموح بها: "لا يُسمح بدخول أي حيوانات حية إلى غزة على الإطلاق"
.
في المقابل، تذكر هيئة تنسيق أعمال الحكومة الإسرائيلية في المناطق (COGAT) أنها تسهل دخول اللحوم والدواجن والبيض ومنتجات الألبان، مشيرة إلى أنه جرى تسليم حوالي 8000 طن من هذه السلع في شهر مضى، لكنها توضح صراحة أن ذلك لا يشمل المواشي الحية . لكن حتى هذه المواد المجمدة والمصنعة تظل بعيدة عن متناول الغالبية الساحقة من السكان الذين تحطمت قدرتهم الشرائية تمامًا بفعل الحرب والنزوح.
في الضفة الغربية، تتخذ مأساة غياب الأضاحي وجهًا آخر يتمثل في السرقة المباشرة والعنف. عشية العيد، تعرضت الراعية الفلسطينية سميحة رشيد في مسافر يطا لفاجعة، عندما داهم مستوطنون إسرائيليون قطيع أغنام عائلتها فجرًا وسرقوه بالكامل. تقول رويترز في تقريرها: "بدلاً من الاحتفال، لم يتبق لدى رشيد أي شيء" كما حُرمت أيضًا من الدخل الذي كانت ستجنيه من بيع الأغنام التي لا تحتاجها أسرتها .
وحجم الظاهرة ليس محدودًا. فقد أفادت وزارة الزراعة الفلسطينية بأن حوالي 4000 رأس من الماشية سُرقت على يد المستوطنين منذ بداية عام 2026 فقط . تروي رشيد أن المستوطنين يشنون هجمات شبه يومية على الرعاة في منطقتها، بما في ذلك رش رذاذ الفلفل باتجاه المنازل والأطفال
.
لا تقف هذه الاعتداءات عند الماشية. ففي الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2026، بلغ عدد الفلسطينيين الذين هُجّروا في الضفة الغربية في سياق عنف المستوطنين وقيود الوصول 1697 شخصًا، وهو رقم تجاوز بالفعل إجمالي عدد المهجرين في عام 2025 بأكمله . وقد طالت الهجمات شبكات المياه، والمواشي، والأشجار، والمنازل، والمركبات، والمدارس، والمساجد
.
غياب الحيوانات ليس السبب الوحيد الذي جعل شعيرة الأضحية مستحيلة. حتى القلة القليلة من المواشي التي ما زالت على قيد الحياة، والتي جُمعت في حظيرة مؤقتة بمخيم المواصي على ساحل غزة الجنوبي، لا يقدر أحد على شرائها تقريبًا . يقول عبد الرحمن ماضي، أحد سكان غزة: "لا أستطيع حتى شراء الخبز. لا لحوم ولا خضروات. الأسعار فلكية"
.
وتبدو الأسواق في غزة خاوية على عروشها. بضائع ترقد على رفوف مغبرة، بعيدة كل البعد عن متناول شعب أنهكته الحرب والنزوح والفقر المتفاقم . حلويات العيد التقليدية، وملابس الأطفال الجديدة، والأطعمة الاحتفالية، اختفت إلى حد كبير من الحياة اليومية. يقول أحد السكان: "لا طعام، ولا أية إشارات تدل على أن العيد هنا. نحن نأكل الأرز والمعكرونة حين نجدها"
.
مع انتزاع شعيرتي الأضحية والصدقة المرتبطتين بها، يتشبث الفلسطينيون بأي إيماءات قادرة على استعادة شيء من روح العيد.
صلاة بين الركام: معظم مساجد غزة مدمرة أو متضررة. هذا العام، أُجبر السكان مجددًا على أداء صلاة العيد في مساحات مفتوحة صغيرة وشوارع وخيام في مراكز النزوح .
زينة في الخيام: تعيش آلاف العائلات في ملاجئ مؤقتة أو منازل متضررة. في محاولة لاستعادة بعض البهجة، تعلق نساء مثل أم محمد عاشور أشرطة ملونة وزخارف ورقية داخل خيامهن ليصنعن جوًا احتفاليًا لأطفالهن. تقول: "الحياة صعبة جدًا، لكننا نريد إدخال القليل من الفرح إلى قلوب أطفالنا بعد كل ما مروا به" .
ألعاب الأطفال بين الأنقاض: في غياب الألعاب الجديدة والمساحات الآمنة، يلهو الأطفال على أراجيح مؤقتة في مواقع القصف، ويتقاذفون الكرات أو يتسابقون بين ركام المباني، لتعكس ألعابهم بيئة يهيمن عليها الدمار . وتحاول العائلات جاهدة أن تلبس أطفالها أي ملابس جديدة يمكن العثور عليها، محتفظة بجزء ضئيل من طقوس العيد.
الحج ممنوع: لا يقف الحرمان عند الأضاحي، بل يمتد ليشمل منع سكان غزة من أداء فريضة الحج هذا العام كذلك، بسبب استمرار إغلاق المعابر من قبل إسرائيل، مما يقطع ركنًا ثانيًا من أركان المناسبة .
بالنسبة للكثيرين، لم يعد غياب الأضحية مسألة قدرة مالية، بل أصبح مسألة وجود من الأساس. يقول أحد السكان: "لا يوجد عيد أصلًا في غزة. غزة محرومة من كل شيء" .
عيد الأضحى، الذي كان من المفترض أن يكون تجسيدًا للتكافل والجماعة والوفرة المشتركة، تحول إلى مجرد يوم للبقاء على قيد الحياة. لكن في قلب هذا الحرمان، تستمر العائلات في الصلاة، ويجد الأطفال طرقًا للعب، وتعلق الأمهات الزينة في الخيام - وهي أفعال صغيرة عنيدة ترفض أن تترك العيد يختفي بالكامل.
Comments
0 comments