وبالنظر إلى الصورة الأكبر، فإن 119 دولة، أي ما نسبته 73% من إجمالي الدول التي يرصدها المؤشر، هي الآن أقل سلاماً مما كانت عليه عند إصدار أول نسخة من المؤشر في عام 2007 .
يؤكد التقرير ما نشهده يومياً من تصاعد في بؤر التوتر. فقد قفز عدد الصراعات بين الدول (state-based conflicts) إلى أعلى مستوى له منذ الحرب العالمية الثانية، حيث وجد التقرير أن 61 دولة أصبحت الآن طرفاً في نزاعات مسلحة من هذا النوع .
والأكثر إثارة للقلق، أن عدد الدول التي تخوض حروباً خارج حدودها قد تضاعف تقريباً، مما يعني أننا أمام مشهد عالمي تتداخل فيه الصراعات وتتشابك بدرجة غير مسبوقة، وكل من عدد النزاعات النشطة والتدخلات الخارجية في أعلى مستوياتها التاريخية منذ أربعينيات القرن الماضي .
السمة الأبرز لهذا العصر الجديد من الصراع ليست فقط في عدد الحروب، بل في طبيعة أدواتها. يكشف التقرير عن رقم صادم: هجمات الطائرات بدون طيار (الدرونز) قفزت بنسبة 11,500% خلال السنوات السبع الماضية وحدها، وهو ما يعكس تحولاً جذرياً في ميدان المعركة الحديث .
ولكن الأخطر من ذلك، هو دخول الذكاء الاصطناعي على خط النزاعات. لم تعد الخوارزميات تقتصر على التحليل اللوجستي، بل أصبحت تُستخدم الآن لاتخاذ قرارات مصيرية تتعلق بالاستهداف والحياة أو الموت في غضون ثوانٍ، مما يثير أسئلة أخلاقية واستراتيجية عميقة حول مستقبل الحرب، حيث يمكن للآلة أن تقرر من يعيش ومن يموت .
ثمن الفشل في تحقيق السلام ليس بشرياً فقط، بل اقتصادي باهظ. لقد وصل الأثر الاقتصادي العالمي للعنف إلى مستوى قياسي بلغ 21.81 تريليون دولار في عام 2025، وهو مبلغ خيالي يعادل حوالي 13% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي .
هذا الرقم الفلكي لا يمثل فقط الإنفاق العسكري المباشر، بل يمتد ليشمل العواقب الاقتصادية الأوسع للصراعات، من الإنتاجية المفقودة، وتكاليف النزوح واللجوء، وعلاج الصدمات، وصولاً إلى زعزعة الاستقرار طويل الأمد الذي يشل الاقتصادات لعقود.
في خضم هذا الإعصار العالمي، تظل هناك جزر للاستقرار. حافظت آيسلندا على موقعها كأكثر دول العالم سلاماً للسنة التاسعة عشرة على التوالي . وتضم قائمة الخمسة الأوائل الأكثر سلماً كلاً من: آيسلندا، أيرلندا، نيوزيلندا، النمسا، وسويسرا .
أما ذيل القائمة فيهيمن عليه أولئك الغارقون في أتون الحروب. في تقرير عام 2026، تضم قائمة الأقل سلاماً كلاً من: روسيا، السودان، جمهورية الكونغو الديمقراطية، أوكرانيا، وإسرائيل .
ولأول مرة، تحتل روسيا المركز الأخير كأقل دولة سلاماً في العالم، كنتيجة مباشرة لحربها المستمرة في أوكرانيا . دول مثل اليمن، السودان، جنوب السودان، وأفغانستان لا تزال راسخة في قاع المؤشر، حيث تتأرجح مواقعها صعوداً وهبوطاً مع اشتداد حدة الصراعات أو تراجعها .