المُحفز لهذه الأزمة هو الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، الممر الضيق الذي يعبر منه نحو خُمس النفط والغاز العالميين. وقد وصف بيرول هذا الإغلاق، الذي أشعلته صراعات في المنطقة، بأنه 'أكبر تهديد لأمن الطاقة العالمي في التاريخ' . تقييمه الأولي الذي صدر في مارس/آذار 2026 لم يزدد إلا حدة. ففي أواخر أبريل/نيسان 2026، قال لشبكة CNBC في حدث CONVERGE LIVE بسنغافورة: 'الأزمة تزداد سوءاً كل يوم'
. إضافةً إلى فقدان الإمدادات الفوري، حذر بيرول من أن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للنفط والغاز كبيرة لدرجة أنه حتى لو أُعيد فتح المضيق غداً، فقد يستغرق الأمر أكثر من ستة أشهر لإعادة الحقول المتضررة إلى طاقتها الإنتاجية الكاملة
.
وقد شدد رئيس وكالة الطاقة مراراً على أن هذه الأزمة ليست مجرد إعادة لسيناريو السبعينيات. وحذر من أن العالم قد 'يدخل المنطقة الحمراء' خلال أشهر الصيف في نصف الكرة الشمالي إذا لم يتم إيجاد حل، مع ما سيترتب على ذلك من آثار متسلسلة تشمل إلغاء الرحلات الجوية وتقنين الوقود وزعزعة الاستقرار المالي للدول .
تحذير وكالة الطاقة الدولية ليس مجرد ورقة سياسات نظرية، بل هو تدخل مباشر في نزاع حيوي ومحفوف بالمخاطر. ففي مواجهة تكاليف الطاقة المتصاعدة، تنتهج القوى الغربية الثلاث الكبرى مسارات متباينة بشكل لافت.
موقف الاتحاد الأوروبي لا لبس فيه. فهو لم يُرخِ أي عقوبة على روسيا، بل على العكس، قام بتشديدها بشكل منهجي. ففي أكتوبر/تشرين الأول 2025، تبنى الاتحاد حزمة العقوبات التاسعة عشرة، والتي تضمنت إجراءً تاريخياً: حظراً كاملاً على واردات الغاز الطبيعي المسال الروسي إلى الكتلة، إلى جانب تضييق الخناق على 'أسطول الظل' الروسي من ناقلات النفط . كما استهدفت الحزمة قطاع المال والقاعدة الصناعية العسكرية والمناطق الاقتصادية الخاصة
. وقبل ذلك، كانت الحزمة السادسة عشرة في فبراير/شباط 2025 قد حظرت التخزين المؤقت للخام الروسي في موانئ الاتحاد الأوروبي ومنعت واردات الألمنيوم الأولي
. وجُددت الإجراءات التقييدية للاتحاد الأوروبي لستة أشهر إضافية في ديسمبر/كانون الأول 2025، لتمتد حتى يوليو/تموز 2026
. مسار الاتحاد الأوروبي هو تصعيد لا هوادة فيه، وهو بالضبط الموقف الحازم الذي يحث بيرول الحلفاء الآخرين على التمسك به.
تحتل الولايات المتحدة موقعاً وسطاً أكثر تعقيداً وتناقضاً ظاهرياً. البنية الأساسية للعقوبات لا تزال سارية. فقد مُددت 'حالة الطوارئ الوطنية' التي تستند إليها العقوبات لعام آخر في فبراير/شباط 2025 ، ويواصل مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) التابع لوزارة الخزانة الأمريكية الإشراف على برنامج شامل لعقوبات 'الأنشطة الخارجية الضارة لروسيا'
.
لكن أزمة مضيق هرمز أجبرت واشنطن على خلق سلسلة من إجراءات تخفيف الضغط المؤقتة. في منتصف أبريل/نيسان 2026، أعلن وزير الخزانة سكوت بيسنت في البداية أن إعفاءً مدته 30 يوماً على النفط الروسي المنقول بحراً لن يُجدد، لكنه عاد بعد يومين ليعلن عن إصدار إعفاء جديد . وبحلول 19 مايو/أيار 2026، أعلن بيسنت عن تمديد ثالث على التوالي، وهو ترخيص عام لمدة 30 يوماً يسمح لأي دولة بشراء النفط الخام الروسي المحمّل بالفعل على ناقلات في عرض البحر
.
التبرير المعلن هو دوافع إنسانية واقتصادية، حيث يدعي بيسنت أن الإعفاء 'سيوفر للدول الأكثر ضعفاً القدرة على الوصول المؤقت للنفط الروسي العالق حالياً في البحر' . وكانت الدول الآسيوية التي تسعى لاستبدال إمدادات الشرق الأوسط المتعطلة هي المستفيد الرئيسي
. هذا الحل العملي قصير الأجل يتناقض مباشرةً مع روح تحذير بيرول الداعي إلى الثبات على الموقف.
الانحراف الأكثر دراماتيكية يحدث في لندن. خلال عام 2025، كانت بريطانيا صقراً في تشديد العقوبات، حيث فرضت قيوداً تجارية كبرى جديدة في أبريل/نيسان 2025 حظرت بموجبها تصدير برامج وتقنيات تجارية معينة إلى روسيا، إلى جانب حظر شامل جديد على الاستيراد والتصدير . وفي يوليو/تموز 2025، ذهبت إلى أبعد من ذلك، وخفضت سقف سعر الخام الروسي من 60 دولاراً إلى 47.60 دولاراً للبرميل بالتنسيق مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة
.
لكن، في 20 مايو/أيار 2026، أصدرت الحكومة البريطانية ترخيصاً تجارياً جديداً يقطع بشكل حاسم مع هذا المسار. الترخيص الذي نشرته وزارة الأعمال والتجارة يسمح للمملكة المتحدة بشراء وقود الطائرات والديزل المُكرر من النفط الخام الروسي في دول ثالثة مثل الهند وتركيا. الترخيص 'لأجل غير مسمى' وسيراجع دورياً، مما يعيد فتح طريق تجاري رئيسي لمنتجات الطاقة الروسية المُصنعة، وذلك في ذروة أزمة هرمز . هذه الخطوة هي أوضح تحول غربي موثق نحو العودة للطاقة الروسية، وهي بالضبط نوع 'الخطأ الفادح' الذي صُمم تحذير بيرول لمنعه.
يقدم تحذير وكالة الطاقة الدولية خياراً صارخاً لصانعي السياسات. لقد اختار الاتحاد الأوروبي تعميق طلاقه الطاقوي من روسيا بتكلفة اقتصادية باهظة، متمسكاً بالخط الذي يوصي به بيرول. أما الولايات المتحدة، فقد اختارت سلسلة من التراجعات التكتيكية، وصفتها بأنها مُثبتات مؤقتة للسوق. وفي الوقت نفسه، نفذت المملكة المتحدة انقلاباً هادئاً ولكنه جوهري في السياسة يُعطي الأولوية لأمن الطاقة الفوري على الاتساق الاستراتيجي.
حجة بيرول هي أن حسابات المدى القصير عبارة عن فخ. فأزمة مضيق هرمز هي أقسى اختبار للطاقة منذ السبعينيات، لكنها بالنسبة له هي السبب عينه لتسريع الانتقال بعيداً عن الموردين غير الموثوقين الذين يستخدمون الطاقة كسلاح، وليس سبباً للركض عائدين إليهم.
Comments
0 comments