هذا الاختلال هو سبب جوهري لاستمرار فجوة العوائد. العديد من مؤسسات المالية تمول مكاسب كفاءة تدريجية بينما تستثمر بأقل من المطلوب في تطبيقات الذكاء الاصطناعي المرتبطة مباشرة بنمو الإيرادات، واتخاذ القرارات الاستراتيجية، والتميز التنافسي . كانت رسالة 'غارتنر' صريحة: المدراء الماليون يخلطون بين مجرد نشر أدوات الذكاء الاصطناعي وخلق القيمة الحقيقية، وهذا الإطار الذهني يحتاج إلى تغيير عاجل
.
لمساعدة المدراء الماليين على الخروج من فخ البرامج التجريبية وبناء عوائد مجدية، أوصت 'غارتنر' بنهج منظم من ثلاث خطوات :
1. تحديد الرؤية وتقييم النضج — على قادة المالية أولاً تحديد رؤية واضحة لما يجب أن تبدو عليه وظيفة المالية المدعمة بالذكاء الاصطناعي. ينبغي أن تجيب هذه الرؤية على ثلاثة أسئلة: ما هي الحالة النهائية المنشودة لوظيفة مالية مدعومة بالذكاء الاصطناعي، وكيف ستستخدم المالية الذكاء الاصطناعي لتحقيق أهداف المؤسسة، وما القيمة المحددة التي سيقدمها الذكاء الاصطناعي للأعمال؟ ثم يساعد تقييم النضج في تحديد الفجوات في القدرات التي يجب سدها قبل أن يتمكن الذكاء الاصطناعي من تقديم تلك القيمة .
2. بناء خارطة الطريق — بمجرد وضوح الرؤية وخط الأساس للنضج، يجب على المدراء الماليين ترجمتها إلى خارطة طريق ملموسة لتبني الذكاء الاصطناعي في المالية. يجب أن تغطي خارطة الطريق هذه الثقافة، الحوكمة، المهارات، والبيانات - وليس فقط التكنولوجيا - ويجب أن تحدد مجموعة مركزة من حالات الاستخدام لتحديد الأولويات، وتجريبها، وفي النهاية توسيع نطاقها .
3. تنفيذ وتوسيع نطاق حالات الاستخدام — تنتقل المرحلة النهائية من التخطيط إلى التنفيذ المنضبط. بدلاً من مطاردة عشرات البرامج التجريبية المنفصلة، تحتاج فرق المالية إلى توسيع نطاق عدد أقل من حالات الاستخدام ذات الأولوية التي لديها مسار واضح لتحقيق قيمة أعمال ملموسة .
أحد أشد تحذيرات 'غارتنر' في الندوة استهدف نمط فشل شائع: 'المصنع العرضي' (Accidental Factory). يحدث هذا عندما تتعامل المؤسسات مع الذكاء الاصطناعي كمجموعة من الأدوات الفردية بدلاً من نظام مترابط، مما يؤدي إلى انتشار غير منضبط للبرامج التجريبية بلا مسار واضح للإنتاج .
الأرقام تؤكد خطورة المشكلة. أشارت بيانات قُدمت في مواد مرتبطة بـ'غارتنر' خلال الندوة إلى أن 59% من مبادرات الذكاء الاصطناعي تفشل في الوصول إلى مرحلة الإنتاج، تاركة القيمة المحتملة محتجزة بشكل دائم في مرحلة التجربة . بدلاً من ذلك، نصحت 'غارتنر' المدراء الماليين بتحديد عدد البرامج التجريبية النشطة، والتركيز على حالات الاستخدام ذات البيانات المتاحة والقيمة السريعة، وبناء أنظمة ذكاء اصطناعي محكومة ومتكاملة يمكنها فعلاً التوسع
.
لعل أكثر نصائح 'غارتنر' مخالفة للبديهة كانت أن حالات استخدام الكفاءة القائمة على الإنتاجية لا ينبغي التعامل معها كشرط أساسي للسعي وراء نتائج ذكاء اصطناعي أعلى قيمة. حثّت الشركة المدراء الماليين صراحةً على النظر إلى ما وراء أتمتة المهام الحالية والاستثمار مباشرة في حالات استخدام مرتبطة بمشاكل أعمال جوهرية - حتى لو بدت هذه المشاريع أكثر خطورة أو أصعب في القياس بصيغ العائد على الاستثمار التقليدية .
في كلمتهم بالندوة، طلب محللو 'غارتنر' من المدراء الماليين التوقف عن البحث عن صيغة واحدة للعائد على الاستثمار، وبدلاً من ذلك بناء محفظة متوازنة من رهانات الذكاء الاصطناعي: حالات استخدام إنتاجية لأتمتة المهام الروتينية، وتحسينات عمليات مستهدفة لتحسين سير عمل معين، ورهانات تحويلية انتقائية يمكنها إعادة تشكيل نماذج الأعمال . كان التشبيه الذي استخدمته 'غارتنر' عن السفر لا يُنسى: الرحلات الروتينية (مكاسب الإنتاجية)، البعثات المستهدفة (تحسينات العمليات)، والرحلات الطموحة (التحول) كلها تنتمي إلى المحفظة، لكنها تخدم أغراضاً مختلفة تماماً وتتطلب معايير تقييم مختلفة
.
يستند نهج 'غارتنر' ذو المراحل الثلاث إلى مجموعة أوسع من أبعاد نضج الذكاء الاصطناعي تتجاوز بكثير مقاييس التبني البسيطة. يغطي الإطار سبعة مجالات للقدرات: الاستراتيجية، القيمة، التنظيم، الأشخاص والثقافة، الحوكمة، الهندسة، والبيانات .
بالنسبة للمدراء الماليين، التضمين العملي واضح. لا يمكن لمنظمة ببساطة شراء أدوات الذكاء الاصطناعي وإعلان النضج. التقدم الحقيقي يتطلب استثماراً منظماً عبر جميع الأبعاد السبعة - بناء استراتيجية ذكاء اصطناعي متوافقة مع الأعمال، حوكمة البيانات بشكل صحيح، رفع مهارات المواهب المالية الحالية، وخلق هياكل تنظيمية تدعم الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع بدلاً من التجارب المنعزلة . المنظمات التي تشهد أقوى العوائد، كما لاحظت 'غارتنر'، هي تلك التي تنشر الذكاء الاصطناعي عن قصد عبر حالات استخدام العملاء، المنتجات، واتخاذ القرار، وليس تلك التي تنفق أكبر قدر من المال فحسب
.
خلاصة الندوة كانت جلية: تبنت أقسام المالية الذكاء الاصطناعي بوتيرة أسرع مما تعلمت كيف تربح منه. سد هذه الفجوة يتطلب من المدراء الماليين إعادة توازن الإنفاق، فرض هيكلية على محافظ الذكاء الاصطناعي لديهم، وقياس النجاح بنتائج الأعمال المتحققة - وليس بعدد الأدوات التي تم نشرها.
Comments
0 comments