لم تقتصر هذه الدعوة لنضال طويل الأمد على شخصيات هامشية. فقد دفعت شبكة أوسع من صقور الأمن في المنتدى علناً لاستمرار الحرب إلى أجل غير مسمى، مصوّرة أي وقف لإطلاق النار أو اتفاق سلام كخيانة جوهرية لمصالح روسيا الاستراتيجية وانتصار للغرب . بالنسبة لهذه المجموعة، لم يعد الصراع مجرد حالة مؤقتة يجب إدارتها، بل أصبح إطاراً دائماً للهوية الروسية وموقعها العالمي. وقد أوضحت شرائح العرض، التي قسمت المستقبل إلى سيناريوهات "جيد" و"قصوري" (استمراري) و"سيئ"، تفضيلهم المخيف للتصعيد الأقصى
.
في مواجهة مباشرة مع الصقور، برز معسكر منافس يضم قادة أعمال ومسؤولين اقتصاديين حذروا من أن نموذج الاقتصاد الحربي لم يعد مستداماً. فقبل انعقاد المنتدى، أظهرت تقارير أن روسيا تواجه تباطؤاً في النمو، حيث يتلاشى الازدهار الذي غذته الحرب ولا يتوسع الاقتصاد سوى بنسبة هزيلة تبلغ 0.4% . وتعاني البلاد من ضغوط العقوبات المستمرة، ونقص الوقود، وندرة حادة في محركات النمو الجديدة
. هذه ليست مجرد أرقام للنخبة المؤسسية، بل تمثل سقفاً هيكلياً لقدرة روسيا على تمويل حرب استنزاف طويلة الأمد.
في أروقة المنتدى، انتقل بعض الشخصيات الاقتصادية من القلق الخاص إلى الدعوة العلنية. لقد جادلوا بأن استمرار الحرب سيرسخ مستقبلاً من الركود، وحثوا على إيجاد مسار لإنهاء الصراع على هامش البرنامج الرسمي . خلق هذا مشهداً متناقضاً حاداً: على خشبة مسرح، رؤى لغزو إمبراطوري بوقود نووي، وفي قاعات الأعمال والممرات، همسات -وبعض التصريحات المفتوحة- بأن التهديد الحقيقي هو الخراب الاقتصادي، وليس نقصاً في الالتزام الإيديولوجي.
حاول ممثلو الكرملين الرسميون في المنتدى تسوية هذه التصدعات باستعراض للاستقرار. زعم نائب رئيس الإدارة الرئاسية مكسيم أوريشكين أن اقتصاد روسيا نما بنسبة 10% خلال ثلاث سنوات وأن البطالة فيها هي الأدنى في العالم، وهو خطاب رأى معهد دراسة الحرب أنه يتجاهل "المشاكل الاقتصادية ونقص الوقود" الحقيقي الذي تواجهه روسيا . بدا الصمت المحرج للبرنامج الرسمي عن الحرب -التي لم تذكر في جدول الأعمال- كمحاولة متعمدة لتجنب النقاش ذاته الذي كان يلتهم أروقة المؤتمر
.
وسط هذه الرؤى المتصارعة، لم يقدم الرئيس فلاديمير بوتين أي إشارة على أنه ينوي تغيير مسار روسيا الاستراتيجي. ففي جلسة أسئلة وأجوبة موسعة مع رؤساء وكالات الأنباء العالمية، أجاب على أكثر من 20 سؤالاً حول الصراع في أوكرانيا وأنظمة الأسلحة الجديدة . كان موقفه متحدياً، حيث صوّر الحرب كصراع ضروري ضد غرب معادٍ، وليس كسياسة لها تاريخ انتهاء أو تكلفة تستوجب تحولاً
.
خلص معهد دراسة الحرب إلى أنه على الرغم من الإشارات البلاغية العرضية حول إمكانية التوصل إلى تسوية، لا توجد "أي علامات على أن الكرملين ينوي إنهاء عدوانه" . ورغم كل النقاش في المنتدى، ظل موقف بوتين العلني جامداً. لقد اشتبك مع مراسل ألماني بشأن الوساطة الأوروبية
، وشكك في شرعية القيادة الأوكرانية للتوقيع على أي اتفاق سلام
، وفي النهاية قدم صورة قائد ملتزم بمواصلة الطريق، حتى بينما كانت نخبته تتناقش حول الوجهة النهائية.
ازدادت حدة الانقسامات الداخلية بفعل الخلفية الدراماتيكية التي افتتح فيها المنتدى. في صباح الثالث من يونيو، ومع وصول 20 ألف مندوب من أكثر من 100 دولة، ضربت مسيّرات أوكرانية بعيدة المدى محطة بطرسبرغ النفطية ومنشآت عسكرية قرب كرونشتادت، مرسلة أعمدة من الدخان الأسود فوق المدينة . ضربت مئات المسيّرات عدة مدن روسية في تلك الليلة، حيث أعلنت كييف أنها استهدفت أيضاً سفينة حربية في عملية كبرى وصلت إلى موسكو
.
أفاد حاكم منطقة لينينغراد بإسقاط 59 مسيّرة، لكن الضربات التي اخترقت الدفاعات أصابت على بعد 17 كيلومتراً فقط من مركز إكسبوفوروم للمؤتمرات والمعارض . أسفرت الهجمات عن إصابة عدة أشخاص، ووصفها الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بأنها "انتقام عادل" لقصف روسيا لأوكرانيا
. كان الهجوم تناقضاً حياً ومادياً مع محاولة الكرملين تقديم المنتدى كدليل على النهضة العالمية لروسيا، وبدلاً من ذلك أوصل رسالة لا لبس فيها مفادها أنه لا يوجد مكان في روسيا بوتين بعيد عن متناول الحرب
.
Comments
0 comments