وتدعم تقارير وكالة الطاقة الدولية السابقة هذه المخاوف. فقد قامت الدول في شهر أبريل وحده بسحب 117 مليون برميل من احتياطياتها التجارية والاستراتيجية . وكان فاتح بيرول، المدير التنفيذي للوكالة، قد صرح في وقت سابق بأن المخزونات التجارية قد لا تصمد سوى "بضعة أسابيع" بالمعدل الحالي للاستنزاف
.
لم يقتصر تحذير المؤسسات الدولية على ارتفاع فاتورة الوقود في محطات البنزين، بل امتد ليشمل شبكة معقدة من التهديدات الاقتصادية والاجتماعية.
يتمثل الخطر الأكثر إلحاحاً في أسعار النفط العالمية التي قفزت بالفعل فوق 100 دولار للبرميل. تشير التقديرات إلى أن اضطراب الإمدادات الحالي قد يزيل ما يصل إلى 3.9 مليون برميل يومياً من السوق العالمية حتى نهاية عام 2026 . وقد حذرت وكالة الطاقة الدولية بصراحة من أن "تقلص الاحتياطيات الوقائية بسرعة مع استمرار الاضطرابات قد ينذر بارتفاعات حادة في الأسعار في المستقبل"، مما يشير إلى احتمالية تقلبات عنيفة ليس فقط في أسواق الطاقة، بل وفي الأسواق المالية أيضاً
.
الصدمة النفطية لا تقف عند حدود الطاقة، بل تمتد مباشرة إلى موائد الطعام حول العالم. فقد أدى الصراع إلى ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي والأسمدة بالتزامن مع النفط. وقد شدد البيان المشترك على الأهمية القصوى لمراقبة سلاسل توريد الأسمدة، لأن هذه الزيادات في التكاليف "تثير مخاوف عميقة بشأن الأمن الغذائي وفقدان الوظائف" . هذا يعني أن دولاً لا تعتمد بشكل كبير على الوقود المستورد ستظل عرضة للصدمات الثانوية عبر ارتفاع تكاليف المدخلات الزراعية.
لعل أشد أجزاء التحذير وضوحاً كان ذلك المتعلق بتوزيع المعاناة. وصفت المؤسسات تأثير الأزمة بأنه "كبير، وعالمي، وشديد التفاوت"، حيث تتركز العواقب الأكثر قسوة على الدول المستوردة للطاقة، وبشكل خاص الدول منخفضة الدخل . هذه الاقتصادات هي الأكثر تعرضاً لتكاليف الوقود والأسمدة المرتفعة، وتواجه أعلى درجات عدم اليقين وفقدان الوظائف وتهديدات الأمن الغذائي. وهي تفتقر إلى القدرة المالية لدعم الأسعار أو تنويع مصادر الطاقة بسرعة، مما يجعلها هشة بشكل فريد في وجه هذه العاصفة
.
لم يكن اجتماع مايو حدثاً معزولاً، بل هو جزء من تحرك مؤسسي عالمي بدأ في أوائل أبريل الماضي، عندما اجتمع صندوق النقد والبنك الدوليان ووكالة الطاقة الدولية لأول مرة لتنسيق استجابتهم لما وصفوه بأكبر صدمة يشهدها سوق الطاقة العالمي في التاريخ . وحينها، ناشدوا الدول بالفعل تجنب اكتناز إمدادات الطاقة وفرض قيود على الصادرات، محذرين من أن هذه السياسات قد تؤدي إلى تأجيج الأزمة بدلاً من احتوائها
.
أما إضافة منظمة التجارة العالمية إلى طاولة الحوار في 28 مايو، فله دلالة بالغة؛ فهو يعكس بُعداً جديداً للأزمة يتمثل في تهديد خطير لتدفقات التجارة العالمية وخطر تفتت الأسواق الدولية. وحتى في أكثر السيناريوهات تفاؤلاً، حذرت الوكالات من أنه حتى لو توقفت الأعمال العدائية فوراً، فإن الأمر سيستغرق "وقتاً طويلاً" لتعود الإمدادات العالمية من السلع الأساسية إلى مستويات ما قبل الصراع، وستبقى أسعار الوقود والأسمدة تحت ضغط كبير .
البيان المشترك يعكس واقعاً مقلقاً للغاية: العالم يتجه إلى أشهر الصيف عالية الاستهلاك مع مخزونات شبه فارغة، وبدون أي ضمانة لعودة الإمدادات، وبتوزيع غير متكافئ تماماً للمخاطر. الرسالة واضحة: الوضع غير مؤكد، وهامش الخطأ يتلاشى، والأكثر فقراً سيتحملون الثمن الأكبر.
Comments
0 comments