هذا المنطق ظهر بوضوح في التقارير عن ميتا ومايكروسوفت. فقد ذكرت Fortune أن الشركتين اتخذتا خطوات لتقليص القوى العاملة بهدف تبسيط العمليات وتعويض الإنفاق الكبير على الذكاء الاصطناعي . ووصفت Taipei Times، في تغطية مستندة إلى بلومبرغ، النمط نفسه: خفض في العمالة وترك وظائف شاغرة دون شغل مرتبطان بكلفة الإنفاق على الذكاء الاصطناعي
.
هذا لا يعني أن كل وظيفة أُلغيت حلّ محلها نموذج لغوي أو أداة برمجية. المعنى الأدق أن الذكاء الاصطناعي أصبح الأولوية الاستراتيجية، وأن بنود إنفاق أخرى تتعرض للضغط لإفساح المجال له .
مشروعات الذكاء الاصطناعي الحديثة ليست مثل كثير من مشروعات البرمجيات التقليدية. المنافسة تتطلب رقائق متخصصة، ومراكز بيانات، وقدرة حوسبة سحابية، وتطوير نماذج، ومهندسين وخبراء قادرين على بناء المنتجات وتشغيلها . وعندما يكبر هذا البند في الميزانية، يبحث المديرون عن وفورات في أماكن أخرى، وغالباً ما تكون الرواتب وعدد الموظفين من أكبر البنود القابلة للتحريك
.
لهذا قد نرى في الوقت نفسه تسريحات، وتجميداً أو تباطؤاً في التوظيف، وعروض خروج طوعي، وترك وظائف مفتوحة دون تعيين، إلى جانب استثمارات قياسية في الذكاء الاصطناعي. الشركة قد توظف متخصصين في الذكاء الاصطناعي بينما تقلّص فرقاً لم تعد في أعلى قائمة الأولويات .
وفق تقرير لتايمز أوف إنديا، تجاوزت تسريحات قطاع التكنولوجيا 92,000 شخص عبر 98 شركة بحلول أوائل مايو/أيار 2026، وكان شهر أبريل/نيسان وحده قد طال 45,800 عامل . هذه الأرقام ينبغي قراءتها كلقطة صحفية لا كإحصاء عالمي مدقق، لكنها توضّح لماذا صار إنفاق الذكاء الاصطناعي جزءاً لا ينفصل عن نقاش مستقبل الوظائف في القطاع
.
تقدم ميتا مثالاً مباشراً على هذه المقايضة. ذكرت Fortune أن ميتا أبلغت موظفيها، في مذكرة داخلية، أنها تخطط لخفض 10% من العاملين، أي نحو 8,000 موظف، ابتداءً من 20 مايو/أيار، وأنها لن تملأ 6,000 وظيفة شاغرة . ونشرت Taipei Times الأرقام نفسها في تغطيتها المستندة إلى بلومبرغ
.
أما مايكروسوفت فاستخدمت أداة مختلفة. فقد ذكرت Fortune أن الشركة أرسلت مذكرة تعرض فيها برامج خروج طوعي على آلاف الموظفين في الولايات المتحدة، وأن نحو 7% من قوة العمل الأميركية في الشركة سيكونون مؤهلين لهذه العروض، بحسب شخص مطلع على الأمر .
الآليات مختلفة، لكن المنطق المالي متقارب. التسريح يخفض كلفة الرواتب الحالية. ترك الوظائف الشاغرة يمنع زيادة مستقبلية في الرواتب. والخروج الطوعي يقلص عدد العاملين عبر مغادرات اختيارية. وفي التقارير الخاصة بميتا ومايكروسوفت، رُبطت هذه الخطوات بتبسيط العمليات وتعويض الإنفاق الكبير على الذكاء الاصطناعي .
في بعض الحالات، توجد قصة أتمتة مباشرة: مهام تُنجز بأدوات ذكاء اصطناعي، أو فرق أصغر تستطيع إنتاج قدر أكبر بفضل أدوات توليد الكود والتحليل والمساعدة الآلية. بعض التقارير تنسب جزءاً كبيراً من التخفيضات الأخيرة في قطاع التكنولوجيا إلى الذكاء الاصطناعي والأتمتة، وتشير تغطيات أوسع إلى الكود المولّد بالذكاء الاصطناعي والفرق الأصغر كجزء من التفسير .
لكن الأدلة لا تدعم حكاية بسيطة تقول إن كل موظف خسر عمله استُبدل مباشرة بآلة. فقد أشار تقرير Finance & Commerce إلى أن تخفيضات شركات التكنولوجيا الكبرى قد تعكس تحولات استراتيجية لا تأثير الذكاء الاصطناعي وحده على الوظائف . كما وصفت تغطية Blockchain Council بعض لغة التسريحات بأنها نوع من «تغليف» قرارات أوسع بخطاب الذكاء الاصطناعي، أي تقديم مزيج من خفض التكاليف، وإعادة الهيكلة بعد طفرة التوظيف في فترة الجائحة، وتمويل بنية الذكاء الاصطناعي، وكأنه كله نتيجة مباشرة للكفاءة التي يجلبها الذكاء الاصطناعي
.
هذه التفرقة مهمة. فالذكاء الاصطناعي قد يكون الأداة التي تضغط حجم العمل، أو الاستثمار الذي يفرض مقايضة في الميزانية، أو القصة التي يستخدمها المديرون لشرح قرارات اتخذت لأسباب متعددة .
الذكاء الاصطناعي يمنح الشركات أيضاً رسالة أنظف للمستثمرين. بدلاً من تقديم التسريحات كخفض تكاليف فقط، يمكن صياغتها كجزء من انتقال إلى نموذج تشغيل أصغر حجماً وأكثر تمحوراً حول الذكاء الاصطناعي .
ذكر Finance & Commerce أن ميتا وأمازون ومايكروسوفت شددت على الكفاءة بينما كانت تخفض الوظائف وتزيد الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، ولاحظ أن تنفيذيي ميتا وأمازون استخدموا كلمة الكفاءة 15 مرة مجتمعين في مكالمات إعلان النتائج . ووصفت تايمز أوف إنديا الرسالة الموجهة للمستثمرين بأنها: نصبح أنحف كي نصبح أذكى، مع التشكيك في ما إذا كان الذكاء الاصطناعي يفسر فعلاً كل ما تقوله الشركات
.
هذه الرسالة جذابة للمستثمرين لأنها تجمع بين فكرتين يحبذهما السوق عادة: ضبط النفقات من جهة، والمراهنة بقوة على تقنية نمو كبرى من جهة أخرى .
عندما تقول شركة إن التخفيضات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، من الأفضل فصل ثلاثة احتمالات بدلاً من قبول تفسير واحد جاهز.
قد تكون بعض الأعمال أُتمتت أو تقلصت أو أصبحت تُدار بفرق أصغر تستخدم أدوات ذكاء اصطناعي. تقارير دورة التسريحات في 2026 تشير إلى الأتمتة، والكود المولّد بالذكاء الاصطناعي، وقدرة الفرق الصغيرة على إنجاز المزيد كجزء من الصورة .
قد لا تكون الوظيفة قد اختفت لأنها أُتمتت بالكامل، بل لأن مراكز البيانات والرقائق والحوسبة السحابية أصبحت تلتهم حصة أكبر من رأس المال. التقارير عن ميتا ومايكروسوفت ربطت صراحة بين تقليص القوى العاملة، وترك الوظائف الشاغرة، وبرامج الخروج الطوعي، وبين تعويض الإنفاق الكبير على الذكاء الاصطناعي .
قد يكون الذكاء الاصطناعي العنوان الأبرز لقصة أكبر تشمل ضغط الهوامش، وتغيّر الاستراتيجية، وتصحيح التوظيف الزائد بعد الجائحة، وضغط المستثمرين من أجل الكفاءة .
شركات التكنولوجيا تُسرّح موظفين وهي تنفق المليارات على الذكاء الاصطناعي لأن الذكاء الاصطناعي أصبح أولوية كبرى، وفاتورته ضخمة. في أوضح الأمثلة الموثقة، تقلّص الشركات عدد العاملين أو تبطئ نموه لتعويض إنفاق الذكاء الاصطناعي، وحماية هوامش الربح، وإقناع المستثمرين بأنها تستطيع أن تكون طموحة ومنضبطة في الوقت نفسه .
لكن التحفظ أساسي: الذكاء الاصطناعي لا يستبدل دائماً كل وظيفة أُلغيت بشكل مباشر. أحياناً يكون أداة للأتمتة، وأحياناً يكون تكلفة بنية تحتية تفرض قرارات صعبة، وأحياناً يكون السردية التي تبرر إعادة هيكلة أوسع . لذلك فالتسريحات لا تحدث رغم طفرة الذكاء الاصطناعي؛ في حالات كثيرة، تحدث لأن هذه الطفرة غيّرت ما تريد الشركات تمويله أولاً.
Comments
0 comments