لطالما وُصف الجهاز العصبي الموجود في الأمعاء بأنه «الدماغ الثاني». لكن باحثين من جامعة فلندرز الأسترالية—تيم هيبرد، وهايلي رودز، ونيك ج. سبنسر—يقترحون قلب التسمية رأساً على عقب: ربما سبق الجهاز العصبي المعوي الدماغ في مسار التطور، ثم نشأ الدماغ لاحقاً ليساعد الكائنات على تلبية احتياجات الأمعاء، ومنها الحصول على الطاقة.
1
39
هذه فرضية تفسيرية تستند إلى أدلة من علم وظائف الأعضاء والأحياء التطورية، وليست تسلسلاً تاريخياً أثبتته تجربة جديدة.
1
39
لماذا تبدو فرضية «الأمعاء أولاً» معقولة؟
الجهاز العصبي المعوي ليس مجرد متلقٍ لأوامر الدماغ. ففيه دوائر عصبية محلية تساعد على تنظيم انقباض عضلات الأمعاء واسترخائها، ما يمنحها قدرة على التحكم في الحركة الهضمية.
43
48
وفي دراسة على الفئران، ربط باحثون بينهم سبنسر تزامن النشاط في دوائر الجهاز العصبي المعوي بدفع محتويات الأمعاء الغليظة. وتوضح هذه النتيجة كيف يمكن لتلك الدوائر تنسيق حركة معقدة، لكنها لا تحدد متى ظهر الجهاز العصبي المعوي أو الدماغ في تاريخ التطور.
42
كما درست أبحاث مسارات تصل نشاط الأمعاء بأجزاء أخرى من الجهاز العصبي، من بينها منعكسات ودّية يتوسطها الجهاز العصبي المعوي، ونهايات عصبية حسية تربط تراكيب في القولون بمحور القولون والدماغ. وهذا يشير إلى وجود تواصل بين هذه الأنظمة، لا إلى أن الأمعاء تعمل بمعزل تام عنها.
44
45
ما الذي لا تثبته الأدلة؟
هناك فرق بين ما يستطيع الجهاز العصبي المعوي فعله اليوم، وبين تحديد أي الجهازين ظهر أولاً. فالتحكم المحلي بحركة الأمعاء يبيّن أهمية دوائرها العصبية ووظائفها، لكنه لا يثبت أنها سبقت الدماغ، ولا أن تلبية احتياجات الأمعاء من الطاقة كانت السبب الأول لنشوء الدماغ.
والورقة التي يستند إليها هذا الطرح مقالة رأي تجمع بين أدلة فسيولوجية وتطورية لتقديم قراءة جديدة لها، وليست تقريراً عن تجربة ترصد أصول الجهاز العصبي مباشرة.
39 كما أن وظائف الأحياء المعاصرة وحدها لا تكفي لإعادة بناء تسلسل وحيد لأحداث وقعت في تاريخ تطوري بعيد.
أسئلة بحثية جديدة، لا علاج جديد
قد تشجع هذه النظرة الباحثين على دراسة دور الدوائر المعوية في التعامل مع الطاقة، أو في اضطرابات الهضم والتمثيل الغذائي. وقد تدفع أيضاً إلى مزيد من البحث في التفاعل بين الأمعاء والدماغ في أمراض مثل باركنسون. لكن هذه اتجاهات محتملة للبحث، وليست دليلاً على أن الفرضية تفسر تلك الأمراض أو تحدد موضع بدايتها.
لذلك، لا تعني الفرضية بحد ذاتها تغييراً في العلاج الطبي. أهميتها الآن أنها تدعو إلى النظر للجهاز العصبي المعوي بوصفه عنصراً محورياً في النقاش حول تطور الجهاز العصبي، لا مجرد «دماغ ثانٍ».