ابتكار سامسونج يتجاوز هذه المشكلة تماماً. بدلاً من وضع ترانزستورات NMOS و PMOS متجاورة، تقوم بنية الترانزستور ثلاثي الأبعاد المكدس (3DSFET) الجديدة بتكديسها عمودياً. هذا يعني أن طبقة العزل الحرجة بين نوعي الترانزستورات تصبح بنية رأسية، لا تستهلك أي مساحة سطحية إضافية على الرقاقة. نظرياً، يمكن لهذا النهج أن يضاعف كثافة الترانزستورات ضمن نفس المساحة دون الاصطدام بحدود العزل الأفقي .
التطبيق العملي لهذه الرؤية العمودية هو تحفة من علوم المواد والهندسة الدقيقة. فريق سامسونج لم يكتفِ بتكديس ترانزستورين بسيطين فوق بعضهما. بل استخدم ترانزستورهم المبتكر قنوات نانوية (Nanosheet) ثلاثية الطبقات لكل من الترانزستور العلوي (نوع P) والسفلي (نوع N)، أي ما مجموعه ست طبقات نانوية على رقاقة واحدة. هذا يمثل أكبر عدد من الطبقات النانوية المكدسة تم عرضه على الإطلاق في ترانزستور مكدس ثلاثي الأبعاد .
ولتحقيق ذلك، كان على المهندسين حل التحدي الأهم: العزل الكهربائي بين الطبقتين. فالترانزستورات المتجاورة عمودياً تحتاج إلى حاجز عازل مثالي لتعمل بشكل مستقل. لذلك قدم الفريق طبقة عازلة وسيطة (Intermediate Dielectric Layer) عالية الجودة بين الجهازين العلوي والسفلي. هذا العازل العمودي هو المفتاح الذي يسمح بهذا التكامل فائق الكثافة، ويقضي على التداخل الكهربائي الذي كان سيجعل التصميم غير قابل للعمل .
النتيجة كانت جهازاً يعمل بكامل طاقته بمسافة بوابة تبلغ 42 نانومتراً، وهو الأصغر على الإطلاق. وأوضح الخبير ووكهيون كوون، من فريق تطوير تقنيات المنطق في سامسونج، أنه بينما أبلغت أبحاث سابقة عن أبعاد أصغر، فإن رقم 42 نانومتر هو الأصغر الذي تم تحقيقه فعلياً في بنية ترانزستور مُصنّعة .
أهمية هذا العمل تم الاعتراف بها فوراً من قبل المجتمع الأكاديمي والصناعي في ندوة VLSI. الورقة البحثية التي حملت عنوان: "العرض الأول لترانزستورات مكدسة ثلاثية الأبعاد بمسافة بوابة 42 نانومتر مزودة بقنوات نانوية ثلاثية الطبقات لتطبيقات المنطق المتقدمة"، والتي قدمها دونجهون هوانج وزملاؤه، لم تفز فقط بجائزة أفضل ورقة بحثية، بل تم اختيارها أيضاً كأحد أبرز الإنجازات التقنية في المؤتمر (Technology Highlight) .
تتصور سامسونج أن بنية 3DSFET ستكون تقنية أساسية لمستقبل أشباه الموصلات المنطقية عالية الأداء، مستهدفة على وجه التحديد المتطلبات القصوى للجيل القادم من تطبيقات الذكاء الاصطناعي والحوسبة عالية الأداء (HPC)، حيث تعتبر كثافة الترانزستورات عاملاً حاسماً في الأداء .
مع ذلك، من الضروري النظر إلى هذا الإنجاز على أنه إثبات ضخم للمفهوم وليس إعلاناً عن منتج تجاري. العمل حالياً في مرحلة العرض المخبري. وقد صرح فريق تطوير تقنيات المنطق في سامسونج بأنه سيواصل البحث بهدف التسويق التجاري في نهاية المطاف، لكن لم يتم تحديد أي إطار زمني للإنتاج بالجملة . ورغم الطريق الطويل أمامها، قدمت سامسونج إجابة ملموسة وموثقة على سؤال: ماذا بعد عصر الترانزستورات النانوية؟ الإجابة ببساطة هي: البناء نحو الأعلى.
Comments
0 comments