الثانية: ارتفاع النفور من المخاطر في الأسواق المالية. ففي أوقات التوترات الجيوسياسية يتجه المستثمرون عادةً إلى الأصول المقومة بالدولار، ما يزيد الطلب على العملة الأميركية.
عندما تحدث هاتان القوتان في الوقت نفسه يرتفع النفط بسبب مخاوف الإمدادات، بينما يرتفع الدولار نتيجة الطلب عليه كملاذ آمن.
جزء كبير من رد فعل الأسواق يتركز حول مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الاستراتيجية للطاقة في العالم.
يمر عبر المضيق نحو 20 مليون برميل من النفط يومياً، أي ما يقارب خُمس الاستهلاك العالمي من النفط وأكثر من ربع تجارة النفط المنقولة بحراً.
ولهذا فإن أي تعطّل — أو حتى مجرد تهديد — لحركة الشحن في هذا الممر يخلق خطراً فورياً على الإمدادات العالمية. وغالباً ما يضيف المتداولون ما يُعرف بـ"العلاوة الجيوسياسية" إلى أسعار النفط، ما يدفع برنت إلى الارتفاع حتى قبل حدوث نقص فعلي في الإمدادات.
ارتفاع أسعار النفط ينعكس سريعاً على توقعات التضخم.
فالطاقة عنصر أساسي في تكاليف النقل والإنتاج. ومع صعود النفط خلال الصراع الإيراني بدأت الأسواق تتوقع أن البنوك المركزية — وخاصة الاحتياطي الفيدرالي الأميركي — قد تؤجل خفض أسعار الفائدة بسبب استمرار ضغوط التضخم.
وهذا يدعم الدولار أيضاً: فإذا بقيت الفائدة الأميركية مرتفعة لفترة أطول تصبح الأصول المقومة بالدولار أكثر جاذبية للمستثمرين حول العالم.
هناك عامل هيكلي آخر يفسّر هذه العلاقة الجديدة: التحول الكبير في قطاع الطاقة الأميركي.
كما تجاوزت صادرات النفط الخام الأميركية 4.1 مليون برميل يومياً في عام 2024، وهو مستوى قياسي وفق إدارة معلومات الطاقة الأميركية.
في العقود الماضية كان ارتفاع أسعار النفط يُعد خبراً سيئاً للاقتصاد الأميركي بسبب الاعتماد الكبير على الاستيراد. أما اليوم فقد تستفيد بعض قطاعات الاقتصاد الأميركي من الأسعار المرتفعة، ما يضعف الفرضية القديمة بأن النفط المرتفع يضر بالدولار تلقائياً.
هذا المزيج بين ارتفاع النفط وقوة الدولار يخلق ضغطاً خاصاً على الدول المستوردة للطاقة.
فهي تواجه ما يسمى أحياناً "الضغط المزدوج": إذ تدفع أكثر لشراء النفط، وفي الوقت نفسه تصبح عملاتها المحلية أضعف مقابل الدولار.
وقد يؤدي ذلك إلى اتساع العجز التجاري وارتفاع التضخم، خصوصاً في الاقتصادات الآسيوية والأسواق الناشئة التي تعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة من الشرق الأوسط.
عندما يتحرك النفط والدولار في الاتجاه نفسه يمكن أن ترتفع التقلبات في عدة أسواق في وقت واحد.
فالنفط يؤثر في توقعات التضخم والنمو الاقتصادي، بينما يؤثر الدولار في تدفقات رأس المال والظروف المالية العالمية. وعندما يتحرك الاثنان معاً قد تتفاعل الأسهم والسندات والعملات والسلع في الوقت نفسه مع الأخبار الجيوسياسية.
ولهذا يصف بعض المحللين حرب إيران بأنها صدمة عابرة لعدة فئات من الأصول، وليس مجرد ارتفاع تقليدي في أسعار السلع.
بالنسبة للمستثمرين والشركات، فإن أهم درس هو أن العلاقات التاريخية بين الأصول قد تنهار خلال الأزمات الجيوسياسية.
كثير من استراتيجيات التحوط تفترض أن ارتفاع النفط سيضعف الدولار، ما يخفف مخاطر العملات. لكن عندما يرتفع الاثنان معاً قد تفشل هذه الاستراتيجيات.
لذلك قد تضطر الشركات المعرضة لتقلبات الطاقة — مثل شركات الطيران والصناعة والنقل البحري — إلى إدارة مخاطر النفط والعملات وأسعار الفائدة كل على حدة بدلاً من الاعتماد على العلاقات التاريخية بين الأسواق.
الارتفاع المتزامن للدولار الأميركي ونفط برنت خلال حرب إيران يعكس مزيجاً نادراً من العوامل: مخاطر الإمدادات حول مضيق هرمز، الطلب على الدولار كملاذ آمن، ضغوط التضخم، وتحوّل الولايات المتحدة إلى قوة تصدير في مجال الطاقة.
هذه الظروف قد تقلب العلاقة التقليدية بين النفط والدولار مؤقتاً. ومع تراجع المخاطر الجيوسياسية وعودة تدفق الإمدادات إلى طبيعته قد تعود العلاقة العكسية القديمة تدريجياً — لكن التاريخ يُظهر أنها ليست مضمونة دائماً.
Comments
0 comments