تراجع هذه العملات ليس نتيجة عامل واحد فقط، بل مجموعة من العوامل المتزامنة:
هذه العوامل تعزز بعضها بعضًا. فحين يتوقع المستثمرون ارتفاع التضخم واتساع العجز التجاري، غالبًا ما يقللون تعرضهم للأصول المحلية، ما يسرّع تراجع العملة.
ارتفاع أسعار النفط ينعكس بسرعة على التضخم في الاقتصادات التي تعتمد على استيراد الطاقة.
فزيادة أسعار الخام ترفع تكلفة النقل وتوليد الكهرباء والقطاعات الصناعية المعتمدة على الوقود، وهو ما يمكن أن ينتشر عبر الاقتصاد كله ويرفع معدل التضخم العام، وربما التضخم الأساسي إذا نقلت الشركات التكاليف إلى المستهلكين.
وتزداد المشكلة مع ضعف العملة. لأن النفط يُسعّر عالميًا بالدولار، فإن تراجع قيمة العملة المحلية يعني أن الدول تحتاج إلى إنفاق المزيد من عملتها لشراء نفس الكمية من النفط.
يُعرف هذا غالبًا باسم "التضخم المستورد"، وهو أحد الأسباب التي تدفع البنوك المركزية إلى القلق عندما تنخفض عملاتها أثناء صدمات السلع.
الاضطراب لم يقتصر على العملات، بل امتد إلى أسواق السندات أيضًا.
يتوقع المستثمرون ارتفاع التضخم وربما تشديد السياسة النقدية، ما يدفع عوائد السندات الحكومية المحلية إلى الارتفاع. وفي الوقت نفسه ارتفعت عوائد السندات الأمريكية، ما جعل الأصول المقومة بالدولار أكثر جاذبية مقارنة بديون الأسواق الناشئة.
وهذا قد يخلق حلقة ضغط متبادلة:
شهدت عدة اقتصادات آسيوية خارجة رؤوس أموال من المستثمرين الأجانب خلال الأزمة. ففي الهند مثلًا، استمرت تدفقات الاستثمار الأجنبي في الخروج مع ارتفاع أسعار النفط واتساع العجز التجاري وقوة الدولار.
وعندما تنعكس تدفقات رأس المال، غالبًا ما تتراجع العملات بسرعة لأن:
تواجه السلطات النقدية في آسيا معادلة صعبة: السيطرة على التضخم واستقرار العملة دون خنق النمو الاقتصادي.
من بين الأدوات التي قد تستخدمها:
التدخل في سوق الصرف الأجنبي: بيع الدولار من الاحتياطيات لتهدئة انخفاض العملة أو الحد من التقلبات الحادة.
الإبقاء على الفائدة مرتفعة أو تأجيل خفضها: إذا ارتفع التضخم أو ضعف سعر الصرف بسرعة كبيرة، قد تضطر البنوك المركزية إلى الإبقاء على السياسة النقدية متشددة لفترة أطول.
إجراءات سيولة وتنظيم الأسواق: مثل إدارة السيولة المحلية أو التنسيق مع السياسات المالية لتخفيف تقلبات الأسواق.
أعاد الوضع الحالي إلى الأذهان الأزمة المالية الآسيوية عام 1997، عندما انهارت عدة عملات في المنطقة بعد انعكاس تدفقات رأس المال وظهور اختلالات خارجية كبيرة.
هناك بعض التشابهات الظاهرة اليوم:
لكن المقارنة ليست دقيقة بالكامل. فالكثير من اقتصادات آسيا اليوم تمتلك احتياطيات نقد أجنبي أكبر وأنظمة صرف أكثر مرونة وتنظيمًا ماليًا أقوى مقارنة بما كان عليه الوضع في التسعينيات.
لذلك يرى معظم المحللين أن ما يحدث في 2026 هو صدمة طاقة خارجية كبيرة أكثر منه أزمة مالية إقليمية شاملة.
ضعف عملات الأسواق الناشئة في آسيا خلال عام 2026 يعود أساسًا إلى صدمة جيوسياسية واحدة انتقلت عبر عدة قنوات اقتصادية. فقد أدى تعطّل مضيق هرمز إلى ارتفاع أسعار النفط، ما زاد تكاليف الواردات وأشعل مخاوف التضخم ورفع عوائد السندات ودفع رؤوس الأموال إلى الخروج.
وبالنسبة لاقتصادات تعتمد على النفط المستورد مثل إندونيسيا والهند والفلبين، فإن التحدي الأكبر يتمثل في إدارة ثلاثة ضغوط في وقت واحد: استقرار العملة، والسيطرة على التضخم، والحفاظ على النمو الاقتصادي.
Comments
0 comments