لم يكن تدخل اليابان في سوق الصرف فشلًا كاملًا؛ فقد نجح في إيقاف الهبوط الحاد للين لفترة قصيرة. لكن أثره لم يتحول إلى اتجاه مستدام، إذ تراجع الدولار من قرب 164 ينًا إلى نحو 155.20، قبل أن يعود الين إلى الضعف مقتربًا من مستوى 160 ينًا للدولار.
السبب الأساسي أن شراء الين من السوق يغيّر السعر بسرعة، لكنه لا يغيّر العائد الذي يحصل عليه المستثمر من الاحتفاظ بالدولار مقارنة بالين. وما دامت الأصول الأمريكية تمنح عوائد أعلى بكثير، فستظل الضغوط الهيكلية على العملة اليابانية قائمة.
ماذا حقق التدخل الياباني؟
أنفقت السلطات اليابانية، وفق التقارير، 15.4 تريليون ين بين 30 يوليو و26 أغسطس لشراء الين وبيع الدولار. كما شاركت وزارة الخزانة الأمريكية في عملية منسقة لشراء الين، في خطوة نادرة هدفت إلى مواجهة ما وصفته الحكومتان بالتقلبات المفرطة والتحركات غير المنظمة في سوق العملات. وأكدت طوكيو وواشنطن استمرار التواصل بينهما، مع عدم استبعاد تدخلات إضافية. 1815
حقق التدخل ثلاثة آثار فورية:
- أجبر المستثمرين على تقليص مراكزهم التي تراهن على هبوط الين، ورفع مخاطر بيع العملة اليابانية.
- أظهر أن واشنطن مستعدة لدعم جهود طوكيو، ما عزز احتمالات اتساع نطاق أي تدخلات مقبلة ومصداقيتها.
- غيّر زخم السوق مؤقتًا، من دون أن يغيّر العوائد النسبية المتاحة في سوقي الدولار والين.
وهنا تكمن المشكلة. فقد حذر محللون من أن المضاربين لن يبتعدوا طويلًا عن الين من دون تشديد نقدي ياباني أكثر وضوحًا. 6
توضيح تاريخي مهم
لا تدعم التقارير المتاحة وصف العملية بأنها أول تدخل أمريكي-ياباني منسق منذ عام 1998. فالتغطية الصحفية تصفها بأنها أول عملية ثنائية لشراء الين منذ أكثر من عقد، بينما تشير تقارير أخرى إلى تدخل منسق بين البلدين في عام 2011. 493336
والصياغة الأدق هي أنها كانت تدخلًا أمريكيًا-يابانيًا نادرًا في العصر الحديث، وأول مرة منذ أكثر من عقد تشتري فيها واشنطن الين إلى جانب طوكيو، لا أنها أول عملية من هذا النوع منذ 1998. 436
لماذا كان صعود الين قصير الأجل؟
فجوة أسعار الفائدة ما زالت لصالح الدولار
يستطيع تدخل السلطات في سوق الصرف دفع العملة إلى الارتفاع سريعًا، لكنه لا يبدّل تلقائيًا الدخل الذي يحصل عليه المستثمر من الاحتفاظ بها. كان سعر الفائدة الأساسي في اليابان عند 1%، بينما ظلت الأصول الأمريكية تمنح المستثمرين ميزة عائد مهمة. وحتى رفع متوقع إلى 1.25% في سبتمبر لن يلغي هذه الفجوة بالكامل. 1820
وتدعم هذه الفجوة ما يعرف بـ تجارة الفائدة: يقترض المستثمرون أو يمولون مراكزهم بالين منخفض التكلفة، ثم يستثمرون في أصول مقومة بالدولار ذات عائد أعلى. وطالما بقي العائد المتوقع جذابًا، فسيظل لدى المتداولين حافز لبيع الين عندما يتراجع ضغط الشراء الرسمي.
كما أن الأسواق تسعّر عادةً رفع الفائدة المتوقع قبل حدوثه. لذلك قد يكون لزيادة 17 و18 سبتمبر أثر محدود على سعر الصرف ما لم يلمح بنك اليابان إلى زيادات لاحقة أسرع أو أكبر مما يتوقعه المستثمرون. 1718
التضخم يدعم التشديد، لكنه لا يعني تلقائيًا ارتفاع الين
تسارع التضخم الأساسي في اليابان خلال يوليو، بعدما مررت الشركات ارتفاع تكاليف الواردات المرتبطة بضعف الين والصراع في الشرق الأوسط إلى المستهلكين. وقد عزز ذلك مبررات رفع الفائدة من جانب بنك اليابان. 18
لكن التضخم الناتج عن الطاقة والسلع المستوردة يختلف عن التضخم الذي تقوده قوة الطلب المحلي. فهو قد يضغط على البنك المركزي كي يشدد السياسة، وفي الوقت نفسه يقلص القوة الشرائية للأسر وهوامش أرباح الشركات. لذلك لا يؤدي هذا النوع من التضخم بمفرده إلى خلق طلب مستدام على الين.
ما المتوقع أن يناقشه اجتماع مجموعة العشرين؟
من المنتظر أن يحضر وزير المالية الياباني ساتسوكي كاتاياما ومحافظ بنك اليابان كازو أويدا اجتماعات وزراء مالية مجموعة العشرين، حيث يُرجح أن يبقى ضعف الين في صدارة النقاشات. 310
ومن أبرز الملفات المحتملة:
- كيفية تعريف التحركات المفرطة أو غير المنظمة في أسواق العملات؛
- الشروط التي قد تستدعي تدخلًا منسقًا جديدًا؛
- ما إذا كان تشديد بنك اليابان قادرًا على توفير الدعم الأساسي الذي لا تستطيع عمليات السوق الفورية تقديمه؛
- توسيع الوصول إلى أدوات توفير سيولة الدولار؛
- تداعيات ضعف الين على الوون والعملات الآسيوية الأخرى؛
- آثار صراع الشرق الأوسط على التضخم والنمو وأمن الطاقة.
وتتجاوز أهمية المشاركة الأمريكية حدود دعم اليابان. فقد قال وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت إن استقرار الين مهم للتجارة والاستقرار المالي في المنطقة، محذرًا من أن المزيد من ضعف العملة اليابانية قد يضغط على عملات آسيوية أخرى. 7
كيف تحمي آلية «فيما» سوق سندات الخزانة الأمريكية؟
الآلية المعنية هي حصول اليابان على السيولة من خلال اتفاقية إعادة الشراء التابعة لمنشأة السلطات النقدية الأجنبية والدولية (FIMA) لدى الاحتياطي الفيدرالي، وليس حصول الولايات المتحدة عمومًا على هذه التسهيلات.
وبموجب اتفاقية إعادة الشراء، يستطيع بنك مركزي أجنبي مؤهل الحصول على دولارات مؤقتة مقابل تقديم سندات الخزانة الأمريكية ضمانًا. ولا يحتاج إلى بيع السندات نهائيًا. 11539
وتكمن أهمية ذلك في أن دعم الين يتطلب عادةً بيع الدولار وشراء الين. ولو اضطرت اليابان إلى جمع الدولارات عبر بيع كميات كبيرة من سندات الخزانة، فقد يؤدي المعروض الإضافي إلى انخفاض أسعار السندات وارتفاع عوائدها. كما أن ارتفاع العوائد الأمريكية يزيد تكاليف الاقتراض في الولايات المتحدة، وقد يعزز أفضلية الدولار على الين. 163940
لذلك يمكن لمنشأة FIMA أن تعمل كجسر للسيولة:
- تحصل اليابان على دولارات يمكن استخدامها في عمليات شراء الين.
- تحتفظ اليابان بملكية سندات الخزانة بدلًا من بيعها فورًا.
- يتجنب سوق السندات الأمريكية موجة بيع قسرية قد تسبب اضطرابًا.
لكنها ليست حلًا دائمًا. فالاعتماد المطول على هذا الدعم قد يشجع الأسواق على اختبار مدى استعداد طوكيو وواشنطن أو قدرتهما على الدفاع عن مستوى معين لسعر الصرف. 37
لماذا تجعل صدمة الطاقة اليابان أكثر عرضة للخطر؟
مشكلة العملة اليابانية هي أيضًا مشكلة طاقة. ويقول بنك اليابان إن البلاد تعتمد على الشرق الأوسط في أكثر من 90% من وارداتها من النفط الخام، كما تعتمد بدرجة كبيرة على المنطقة في أنواع أخرى من الوقود المعدني. ويصف البنك صراعًا طويلًا وارتفاع أسعار النفط بأنهما صدمة سلبية للعرض في اقتصاد جزيري يعتمد على استيراد الطاقة. 212324
وتنتقل آثار هذه الصدمة إلى قطاعات عدة:
- الأسر: ارتفاع تكاليف الوقود والكهرباء والنقل والمواد المرتبطة بالغذاء يقلص الدخل الحقيقي المتاح للإنفاق.
- الشركات: تواجه المصانع وشركات النقل والخدمات اللوجستية والشركات الصغيرة ارتفاعًا في تكاليف التشغيل، ما يضغط على هوامش الأرباح أو يدفعها إلى رفع الأسعار.
- المصدرون: قد يرفع ضعف الين قيمة الإيرادات الخارجية عند تحويلها إلى العملة اليابانية، لكن الوقود ومكونات الإنتاج المستوردة تصبح أكثر تكلفة. وبالنسبة إلى الشركات التي تنتج داخل اليابان، قد تمحو هذه التكاليف جزءًا من مكاسب سعر الصرف.
- الميزان التجاري والعملة: تحتاج واردات النفط والوقود إلى عملات أجنبية. وإذا ارتفعت أسعار الطاقة في وقت يكون فيه الين ضعيفًا، ترتفع فاتورة الاستيراد ويتدفق مزيد من الدخل إلى الخارج، ما يضغط على النمو وقد يضيف ضغوطًا جديدة على الين. 2124
وهذا يضع المحافظ أويدا أمام معضلة صعبة: فالتضخم الناتج عن الطاقة يدعم رفع الفائدة، لكن الصدمة نفسها تضعف دخول الأسر وأرباح الشركات والنشاط الاقتصادي. وعلى بنك اليابان بالتالي مواجهة ضغوط الأسعار من دون تعميق صدمة النمو أكثر من اللازم. 2324
ما الذي قد يجعل تعافي الين مستدامًا؟
يرجح أن يحتاج التعافي طويل الأجل إلى اجتماع عدة عوامل:
- مسار أكثر إقناعًا لتشديد بنك اليابان: قد لا تكفي زيادة واحدة متوقعة مسبقًا؛ بل يحتاج السوق إلى الاقتناع بأن أسعار الفائدة اليابانية سترتفع بوتيرة أسرع أو إلى مستويات أعلى مما هو متوقع حاليًا. 1720
- انخفاض العوائد الأمريكية أو تضيق فجوة العائد: كلما تراجع العائد الإضافي للاحتفاظ بالدولار، ضعف الحافز الهيكلي لبيع الين.
- انحسار تجارة الفائدة: قد تؤدي موجة عزوف واسعة عن المخاطرة أو ارتفاع التقلبات إلى إجبار المستثمرين على إغلاق مراكزهم الممولة بالاقتراض، ما يولد طلبًا على الين.
- تراجع اضطرابات الطاقة: سيؤدي استمرار صدمة الإمدادات في الخليج إلى زيادة تكاليف الواردات اليابانية وجعل ارتداد العملة المستدام أكثر صعوبة. 2124
- سياسة تدخل موثوقة: يستطيع الشراء الرسمي ردع التحركات غير المنظمة وتغيير مراكز المستثمرين، لكن التدخلات المتكررة ستكون أكثر فاعلية إذا اعتقدت الأسواق أنها مدعومة بتغيير حقيقي في السياسة النقدية.
الخلاصة أن عملية شراء الين البالغة 15.4 تريليون ين اشترت لليابان وقتًا، لكنها لم تشترِ اتجاهًا جديدًا. فقد أثبتت طوكيو قدرتها على وقف الهبوط الفوضوي وحصلت على دعم واشنطن. أما الحركة المستدامة التالية للين، فستعتمد بدرجة أقل على حجم التدخل المقبل، وبدرجة أكبر على ما إذا كانت فجوة العوائد وحوافز تجارة الفائدة وصدمة الطاقة ستبدأ في التحرك لمصلحة العملة اليابانية.