لم تدخل أي من الطائرتين المجال الجوي السيادي السويدي. وصفت القوات المسلحة السويدية هذه التحركات الروسية بأنها جزء من 'نمط سلوكي متكرر يهدد سيادتنا الإقليمية والأمن في منطقتنا المباشرة' . كما حلّقت مقاتلات تابعة لدول حليفة في الناتو للمساعدة في تأمين المجال الجوي المشترك، مما يعكس اندماج السويد في بنية الدفاع الجماعي للحلف
.
ذكر بيان القوات المسلحة السويدية، الذي نُشر على منصة إكس (تويتر سابقاً) وتناقلته عدة وسائل إعلام، أن وحدة 'الإنذار بالرد السريع' 'استجابت بسرعة فور رصد الرحلات الجوية الروسية' وقامت بالتعرف البصري على الطائرات . من جانبها، تؤكد وزارة الدفاع الروسية بشكل روتيني أن جميع رحلاتها العسكرية تُجرى وفقاً صارماً للقواعد الدولية في المجال الجوي المحايد
.
عمليتا الاعتراض في 12 يونيو ليستا حادثتين منعزلتين. لطالما كان بحر البلطيق مسرحاً دائماً لمواجهات قريبة بين الطائرات العسكرية الروسية ومقاتلات الناتو. ففي يونيو 2024، بعد ثلاثة أشهر فقط من انضمام السويد رسمياً للحلف، اخترقت قاذفة روسية من طراز سوخوي-24 المجال الجوي السويدي لفترة وجيزة قرب جزيرة غوتلاند الاستراتيجية، مما دفع إلى تحذير لاسلكي وإرسال مقاتلتي غريبن لاعتراضها . وفي وقت سابق من ذلك الشهر، أقلعت مقاتلات سويدية وفرنسية من قاعدة شياولياي الجوية في ليتوانيا لمواجهة تشكيل مختلط من ست طائرات روسية في يوم واحد
. وفي تقريرها السنوي الصادر في فبراير 2026، وصفت هيئة الاستخبارات والأمن العسكري السويدية (MUST) التهديد الروسي بأنه 'جاد وملموس'، مشيرة إلى انتهاكات المجال الجوي وأعمال تخريبية وعمليات سيبرانية في منطقة البلطيق
.
كانت مهمة الاعتراض في 12 يونيو دراماتيكية، لكن التحذير المكتوب الذي نشرته لجنة الدفاع السويدية (وهي لجنة تضم ممثلين عن جميع الأحزاب البرلمانية الثمانية إضافة إلى خبراء حكوميين) قد يحمل ثقلاً استراتيجياً أكبر على المدى الطويل. وفقاً للتقرير، فإن 'هجوماً مسلحاً على السويد أو حلفائها لا يمكن استبعاده'، وأن روسيا قد تسعى لاختبار تماسك الناتو من خلال عمل عسكري 'في المستقبل القريب نسبياً' .
تشير اللجنة صراحة إلى المادة الخامسة من ميثاق الناتو - وهي بند الدفاع الجماعي الذي يعتبر أي هجوم على دولة عضو هجوماً على الجميع - باعتبارها ما قد تسعى موسكو لاختباره. السيناريو المطروح هو هجوم محدود أو توغل يهدف لمعرفة ما إذا كانت الإرادة السياسية للناتو ستترجم إلى رد عسكري، خاصة إذا رأى الكرملين أن 'الظروف السياسية مواتية' . ومن المهم أن التقرير يقر بأن مثل هذا الاختبار قد يحدث حتى عندما لا يفي التوازن العسكري التقليدي بعتبة روسيا المعتادة للقيام بعمل هجومي
.
وحثت اللجنة على تسريع كبير لعملية إعادة التسلح في مجالَي الدفاع العسكري والمدني على حد سواء . وكان قائد الدفاع السويدي، الجنرال مايكل كلايسون، قد ردّد هذا الصدى في مقابلة مع صحيفة 'ذا تايمز' في أبريل 2026، مشيراً إلى جزر البلطيق كهدف محتمل للاستيلاء الخاطف في إطار تحقيق هجين لاختبار عزيمة الناتو
.
قبل عام 2024، كان اعتراض مقاتلة غريبن سويدية لطائرة روسية يُعتبر شأناً ثنائياً بين ستوكهولم وموسكو. أما اليوم، فهو حدث يخص الناتو بأسره.
توضح لجنة الدفاع السويدية ذلك بوضوح: يجب توسيع نطاق الدفاع الشامل ليس فقط لحماية السويد، بل لحماية حلفائها ضمن إطار الدفاع الجماعي . هذا يعني أن كل طائرة روسية تقترب من الخاصرة الشمالية الشرقية للناتو تمثل تحدياً للحلف بأكمله. وقد أظهرت عملية الاعتراض في 12 يونيو - بمشاركة مقاتلات الحلفاء - مدى سرعة تحول هذا الموقف النظري إلى ممارسة عملية.
لغة التقرير لا تترك مجالاً للغموض: 'لا يمكن استبعاد هجوم مسلح على السويد أو حلفائنا. كما لا يمكن استبعاد استخدام القوة العسكرية أو التهديد بها ضد السويد أو حلفائنا' . ويشير التقرير إلى الحرب واسعة النطاق الدائرة بالفعل في أوروبا كخلفية، محذراً من أن خطر التصعيد 'قد يؤدي إلى هجمات على دول أخرى'
.
في هذا السياق، لم يعد اعتراض طائرتي غريبن لطائرات روسية لا تستجيب مجرد حاشية في سجل الشرطة الجوية. بل أصبح مؤشراً حياً على التوتر الاستراتيجي الذي قال البرلمان السويدي في اليوم نفسه إنه قد يتصاعد إلى شيء أكثر خطورة، ربما قريباً.
وبينما رفضت موسكو مراراً مثل هذه التحذيرات ووصفتها بأنها 'هراء' ، فإن السويد والناتو يأخذانها على محمل الجد لدرجة نشرها في عقيدة دفاعية برلمانية. هنا تكمن القصة الحقيقية ليوم 12 يونيو - ليس في الطائرات نفسها، بل في التقييم الصارخ الذي نُشر إلى جانبها.
Comments
0 comments