في 26 أغسطس 2026، لم تواجه المناطق الحدودية بين التبت ونيبال ارتفاعاً عادياً في منسوب نهر. فقد بدأ الحدث بانهيار كبير للجليد والصخور والرواسب في أعالي الهيمالايا، ثم تحوّل إلى موجة سريعة مثقلة بالمياه والطين والجليد والكتل الصخرية. اندفعت هذه الكتلة عبر ممرات أنهار ليندي خولا وبوتي كوشي وتريشولي، فدمرت تجمعات سكنية وطرقات وجسوراً ومنشآت طاقة على جانبي الحدود.
33
49
ما الذي أشعل الكارثة؟
تشير الأدلة الأولية إلى أن الجزء السفلي من نهر جليدي، مع صخور ورواسب، انفصل وسقط مئات الأمتار إلى قاع الوادي في حوض ليندي خولا الأعلى. وأظهرت صور أقمار صناعية استند إليها خبراء موضع الانهيار، فيما قالت هيئة المسح الجيولوجي الأميركية إن الطاقة الزلزالية التي فُسرت أولاً على أنها هزة أرضية نتجت عن الانهيار نفسه وتدفق الحطام الذي تبعه.
49
الفرق جوهري: لم يكن الأمر نهراً يرتفع منسوبه تدريجياً، بل كتلة مركزة وعالية الطاقة قادرة على نحت الوادي واجتياح الجسور والمباني ومحطات الكهرباء خلال وقت قصير.
ويُعد تشكّل سد مؤقت من الحطام في مجرى النهر، ثم تحرر المياه المحتجزة خلفه، تفسيراً مرجحاً لحجم الموجة. لكن التسلسل الدقيق للأحداث، وحجم إسهام انهيار الجليد وتساقط الصخور والرواسب وتحرر المياه، لم يكن قد حُسم نهائياً في التقارير المتاحة.
49
57
أين امتد الدمار؟
تحركت موجة الحطام من وادي ليندي خولا المرتفع إلى منظومة بوتي كوشي، ثم واصلت مسارها عبر ممر نهر تريشولي في نيبال. وجرفت منازل وطرقاً وجسوراً ومشاريع طاقة، كما دمرت معبر جيرونغ الحدودي، وهو صلة تجارية مهمة بين الصين ونيبال.
35
37
وأصبح معبر جيرونغ رمزاً لطبيعة الكارثة العابرة للحدود. ففي 6 سبتمبر، كانت فرق البحث لا تزال تفتش بين الأنقاض عن مئات المفقودين، بعد أن اجتاح الموقع سيل من الماء والطين والحطام مع إنذار محدود.
33
لماذا تغيّرت أعداد القتلى والمفقودين؟
ارتفعت الحصيلة مع وصول فرق الإنقاذ إلى المناطق المعزولة وتحديث السلطات تقديراتها. ففي التقارير الأولى يوم 26 أغسطس، تم الإبلاغ عن مقتل ما لا يقل عن 157 شخصاً في نيبال وفقدان مئات آخرين.
35 وبعد يومين، أفادت رويترز بمقتل 579 شخصاً على الأقل في نيبال وسبعة في التبت، وبوجود نحو 2,500 مفقود.
34
وبحلول 6 سبتمبر، تجاوز عدد القتلى 1,300 شخص على جانبي الحدود، فيما تجاوز عدد المفقودين 5,000 شخص.
33 وهذه أرقام تحديثية وليست حصيلة نهائية؛ إذ كانت عمليات البحث وانتشال الضحايا والتعرف إلى هوياتهم وتدقيق سجلات المفقودين لا تزال مستمرة.
ضربة متزامنة للطاقة والبنية التحتية
لم تقتصر الخسائر على القرى والطرق، بل أصابت منشآت كهرومائية وشبكات مرتبطة بها. قالت تقارير مبكرة إن 12 مشروعاً للطاقة الكهرومائية تضررت.
53 بينما قدّرت تقارير أخرى القدرة المتضررة في التوليد والنقل والتوزيع بنحو 430 ميغاواط، لكنها أشارت إلى ست منشآت لا إلى 12 مشروعاً.
58
لذلك، تؤكد المصادر المتاحة حدوث اضطراب كبير في منظومة الطاقة، لكنها لا تسمح بدمج عدد المشاريع ورقم 430 ميغاواط في حصيلة واحدة محسومة.
وتكشف الكارثة عن مشكلة تعرض واضحة في الأودية الضيقة في الهيمالايا: محطات الطاقة الجارية، ومخيمات الإنشاء، وطرق الوصول، والجسور، وخطوط النقل، قد تتمركز جميعاً في الممر الضيق نفسه الذي تسلكه تدفقات الحطام. لذا يمكن لانهيار واحد على منحدر أن يخلق، في اللحظة ذاتها، أزمة إنسانية وأزمة نقل وطاقة.
ما الذي يقوله علم المناخ، وما الذي لا يقوله؟
ربط باحثون صينيون ومتخصصون آخرون الكارثة بنمط أوسع من انحسار الأنهار الجليدية المرتبط بالاحترار، وتغير ظروف الجبال العالية، واتساع البحيرات الجليدية. لكن هذا تقييم لمخاطر آخذة في الارتفاع، وليس دراسة إسناد مكتملة تثبت أن تغير المناخ وحده تسبب في هذا الانهيار بعينه.
وتشير بيانات الباحثين الصينيين إلى تراجع مساحة الغطاء الجليدي في هضبة تشينغهاي-التبت من نحو 51 ألف كيلومتر مربع في جرد سابق إلى قرابة 39 ألف كيلومتر مربع في أحدث جرد، أي خسارة تقارب 24% خلال ستة عقود.
20
21 كما توصل تقييم علمي محكّم إلى انحسار واسع، وإن كان غير متساوٍ مكانياً، للأنهار الجليدية عبر هضبة التبت بين عامي 1988 و2022.
27
وتتسع أيضاً مخاطر البحيرات الجليدية. إذ أشار باحثون إلى وجود أكثر من 14 ألف بحيرة جليدية على الهضبة، يتزايد حجم كثير منها؛ ووجدت مراجعة أكاديمية منفصلة أن عددها ارتفع من 14,487 عام 1990 إلى 16,385 عام 2020.
19
26
لا يعني ذلك أن لكل فيضان أو انهيار أرضي محفزاً واحداً. لكنه يعني أن التخطيط يجب أن يتعامل مع انهيارات الجليد والصخور، والمنحدرات غير المستقرة، والسدود النهرية المؤقتة، وفيضانات البحيرات الجليدية، والأمطار الشديدة بوصفها أخطاراً مترابطة قد تتغير احتمالاتها وآثارها بمرور الوقت.
لماذا زادت الكارثة التدقيق في المشاريع الضخمة؟
أعادت الكارثة إلى الواجهة مسألة تقييم السدود والطرق السريعة ومحطات الطاقة الكهرومائية والمرافق الحدودية في تضاريس الهيمالايا الوعرة. والدرس هنا ليس أن هذا الحدث يثبت عدم أمان مشروع مستقبلي محدد، بل أن تقييم المخاطر يجب أن يأخذ في الحسبان الأخطار المتسلسلة والمتغيرة: قد يقطع انهيار منحدر مجرى نهر، وقد ينهار السد المؤقت لاحقاً، فتضرب الموجة المتحررة عدة شبكات بنية تحتية في دقائق.
وينطبق هذا المبدأ على مقترحات تطوير طاقة كهرومائية ضخمة في نطاق الهيمالايا التبتي الأوسع. فالأدلة المستخلصة من الفيضان تدعم التخطيط لسيناريوهات أشد صرامة وتوسيع المراقبة، لكنها لا تمنح حكماً قاطعاً بشأن سلامة مشروع آخر منفصل.
فجوة الإنذار المبكر عبر الحدود
قبل الكارثة، كانت نيبال والصين قد ناقشتا التعاون بشأن أخطار الفيضانات والطقس والأنهار الجليدية. وذكرت رويترز أن مسؤولين من البلدين اجتمعوا في كاتماندو يوم 27 مايو لبحث تعزيز ترتيبات الرصد والاستجابة.
5
بعد الفيضان، طلبت نيبال معلومات أسرع وأكثر تفصيلاً من الصين، بما في ذلك بيانات آنية عن المياه والطقس. وأشارت التقارير إلى غياب آلية رسمية لتطبيق تبادل آني للبيانات العابرة للحدود بشأن الفيضانات والانهيارات الأرضية ومخاطر فيضانات البحيرات الجليدية.
8
11
ودعا خبراء ومنظمات مجتمع مدني إلى نظام دائم للهيمالايا يجمع بين:
- رصد محلي ومتواصل للأنهار الجليدية والبحيرات الجليدية والمنحدرات والأمطار والأنهار؛
- تبادل فوري للبيانات الهيدرولوجية والأرصاد الجوية؛
- قوائم مشتركة وتقييمات مخاطر للبحيرات الجليدية والمنحدرات غير المستقرة؛
- إنذارات متوافقة بين الأنظمة تصل سريعاً إلى المجتمعات المعرضة للخطر؛
- تعاون علمي وإنساني يستمر حتى في ظل التوترات السياسية.
1
16
الخلاصة
لم تكن كارثة 26 أغسطس مجرد فيضان، بل سلسلة متتابعة من أخطار الجليد والانهيارات الأرضية، ضاعفت آثارها هشاشة التنمية في الأودية وفجوات الإنذار بين الدول. الأولوية العاجلة هي الإنقاذ والتعافي والتوثيق الدقيق للضحايا والمفقودين. أما المهمة الأطول، فهي بناء مراقبة وإنذارات قادرة على كشف الانهيار التالي للجليد أو الصخور أو البحيرات أو المنحدرات مبكراً بما يكفي لمنح المجتمعات الواقعة في الأسفل فرصة حقيقية للتحرك.
33
49
5