لم تكن كلمات ديوكوفيتش بعد المباراة أقل شراسة من ضرباته داخل الملعب. بل صبّ جام غضبه على سياسة الجدولة، مطلقاً دعوة غير مسبوقة لتغيير 'بروتوكول الحرارة' الذي يراه غير إنساني. بعقلية المخضرم الذي رأى كل شيء، قال ديوكوفيتش: "في البطولات الكبرى، لا ينبغي أن تكون هذه مشكلة، لأن لدينا العديد من الملاعب. إذا كانت هناك موجة حر شديد، يمكنكم تأجيل المباريات لتبدأ في الرابعة أو الخامسة مساءً وتستمر لليلاً" .
إن منطقه بسيط وعملي: ملاعب رولان جاروس، بقدراتها اللوجستية الهائلة، تملك المرونة لتجنب ذروة الحرارة المرعبة بين الظهيرة والثالثة بعد الظهر. هذا الطرح يشكل تحدياً صريحاً للبروتوكول الحالي القائم على مقياس "درجة حرارة البصيلة الرطبة" (WBGT). هذا المقياس، الذي لا يوقف اللعب إلا إذا وصل إلى 32.2 درجة مئوية، يُنتقد لكونه 'غير واقعي' ويتجاهل المعاناة المرئية للاعبين في الأجواء الباريسية الجافة، مما يسمح باستمرار اللعب في ظروف يراها الكثيرون خطيرة . بل إن وزارة الرياضة الفرنسية نفسها أصدرت بياناً تحث فيه الجميع على 'توخي أقصى درجات الحذر'، في اعتراف ضمني بخطورة الموقف
.
لم تقتصر أضرار القبة الحرارية على أجساد اللاعبين، بل امتدت إلى روح البطولة: الملاعب الترابية الحمراء الشهيرة. هنا، تحول رجال الصيانة إلى أبطال خفيين في مشهد سريالي، حيث يقومون بإغراق الملاعب بالماء والملح بين المباريات وحتى خلال فترات الإحماء لمنع السطح من التشقق تحت وطأة الشمس القاسية .
يصف فيليب فايان، رئيس فريق صيانة الملاعب، الوضع بأنه 'غير مسبوق'، وهو مصطلح أصبح الشعار غير الرسمي للبطولة هذا العام . الهواء الجاف والحار لا يهدد فقط بتحطيم الأرضية، بل يخبزها أيضاً، محولاً إياها إلى سطح أسرع وأكثر صلابة. هذا التغيير الدقيق في السرعة يسرق من البطولة جزءاً من هويتها التكتيكية المعروفة بالبطء والانزلاق، مما يمنح المضربين أصحاب الضربات القوية أفضلية غير متوقعة
.
بينما كان ديوكوفيتش يعرق لأكثر من ثلاث ساعات ونصف، كانت هناك قصة أخرى تتشكل على الجانب الآخر من القرعة. في يوم الاثنين، قدمت إيغا شفيونتيك، سيدة الملاعب الترابية بلا منازع، درساً مفاده أن أفضل وسيلة للتعامل مع الحرارة هي عدم البقاء طويلاً تحتها. في أول ظهور كبير لها مع مدربها الجديد فرانسيسكو رويغ، مدرب الأسطورة رافاييل نادال السابق، اكتسحت البولندية الشابة الأسترالية إيمرسون جونز 6-1 و 6-2 في 61 دقيقة فقط، وكأنها في مهمة عسكرية خاطفة .
ولكن في يوم الأربعاء نفسه، اهتزت البطولة على وقع 'يوم أوكرانيا الكبير'، حيث أطاحت إيلينا سفيتولينا القادمة من الأدوار التمهيدية بالمصنفة الثانية عالمياً إيلينا ريباكينا، في واحدة من أكبر مفاجآت البطولة حتى الآن . هذا الخروج المدوي حطم أحلام مواجهة نارية في الجزء السفلي من القرعة. وفي فئة الرجال، تقدم الألماني ألكسندر زفيريف بسلاسة، لكن كل الأحاديث ظلت مسكونة بشبح الحرارة وصورة ديوكوفيتش وهو يكافح لالتقاط أنفاسه بين الأشواط
.