ولكن نحو الساعة العاشرة والنصف صباحاً بالتوقيت المحلي، وأثناء عملية التأمين، انفجرت الطائرة ذاتياً . وثقّت كاميرات إحدى السفن الراسية بالميناء لحظة الانفجار القوي، الذي لم يسفر عن أي خسائر بشرية، لكن موجة الصدمة دمرت قاعة صناعية تابعة لشركة تجارية في الرصيف 78 بالكامل
.
على الفور، أطلقت السلطات أعلى درجات الإنذار بتفعيل "خطة التدخل الحمراء" (Planul Roșu de Intervenție)، وأخلت منطقة الميناء بالكامل، وسط استنفار كبير للشرطة والدرك وخدمات الإطفاء .
لم يقتصر الخطر على نقطة الانفجار. فبعد الحادث بساعات قليلة، أكدت السلطات الرومانية العثور على ثلاث طائرات بحرية مسيرة إضافية على طول الساحل الروماني . وكانت قناة "Digi24" الرومانية أول من نقل النبأ، ثم أكد عمال الميناء لوكالة الأنباء الوطنية أن قوات الأمن لا تزال في حالة استنفار كامل
.
إن اكتشاف عدة طائرات في يوم واحد حول الحادث من واقعة منعزلة إلى إنذار أمني ساحلي واسع النطاق، يكشف عن ثغرة جديدة ومعقدة في أمن حدود الحلف البحري.
في بيانها الرسمي، كانت وزارة الدفاع الوطني الرومانية واضحة وحاسمة: الطائرة البحرية "هي من النوع المستخدم في الحرب في أوكرانيا". كما أكدت بشكل قاطع أنها "ليست ضمن معدات الجيش الروماني، ولم تلعب أي دور في أي تدريب دفاعي حديث" . يُعتقد أن الطائرة جرفتها التيارات أو حملتها الأمواج إلى المياه الإقليمية الرومانية قبل أن تجنح إلى الشاطئ
.
بيد أن تحديد هوية الجهة المشغّلة للطائرة بقي غامضاً بشكل رسمي. تجنبت الحكومة الرومانية نسبها صراحة إلى روسيا أو أوكرانيا. ورغم أن بعض التقارير الإعلامية المبكرة وصفتها بأنها "طائرة بحرية أوكرانية مسيرة" نقلاً عن مصادر في أجهزة إنفاذ القانون، وأشارت إلى أنها ربما كانت تحمل عشرات الكيلوغرامات من المتفجرات، لم يصدر أي تأكيد رسمي على مصدرها . يعكس هذا الحذر الرسمي رغبة بوخارست في تجنب تأجيج التوتر دون امتلاك أدلة دامغة.
انفجار كونستانتا ليس حدثاً معزولاً، بل هو تتويج لأسبوع يُعد الأسوأ على صعيد الأمن القومي الروماني منذ انضمامها للناتو. ففي ليلة 29 مايو 2026، قبل أسبوع واحد فقط، اخترقت طائرة مسيرة روسية المجال الجوي الروماني واصطدمت بسقف مبنى سكني مكون من 10 طوابق في مدينة غالاتس، الواقعة على ضفاف الدانوب بالقرب من الحدود الأوكرانية .
روت صحيفة "لوموند" تفاصيل مرعبة لتلك الليلة: تلقى السكان تحذيراً طارئاً على هواتفهم المحمولة قرابة الواحدة صباحاً، ثم سمع بعضهم صوت محرك الطائرة وهي تحلق فوق المدينة قبل أن تنفجر على السطح . تسبب الهجوم في حريق، وأصيب مراهق يبلغ 14 عاماً ووالدته بجروح، واضطر نحو 70 شخصاً لإخلاء المبنى
. كانت هذه هي المرة الأولى التي تؤكد فيها السلطات سقوط طائرة روسية مسيرة وتسببها بأضرار وإصابات في منطقة حضرية مكتظة بالسكان داخل أراضي حلف شمال الأطلسي
.
أثار هجوم غالاتس رد فعل سياسياً وعسكرياً سريعاً ومتصاعداً، مهد الطريق لاستجابة الحلف لحادث كونستانتا:
حسب بيانات حصلت عليها شبكة ABC News من وزارة الدفاع الرومانية في أبريل 2026، فإن وتيرة الهجمات الروسية على أهداف أوكرانية قرب حدود الناتو في تصاعد مستمر. حتى أواخر أبريل، تم تسجيل 7 اختراقات للمجال الجوي الروماني بطائرات مسيرة روسية، و11 حالة عثور على شظايا ذخائر، و18 عملية استنفار لمقاتلات الناتو في مهام حراسة جوية، وذلك منذ بداية عام 2026 فقط .
أما صحيفة "لوموند" فأشارت إلى أنه منذ بداية الحرب الشاملة، سجلت رومانيا 28 حالة اختراق جوي بطائرات مسيرة، 15 منها وقعت في عام 2026 وحده . إن حادثي غالاتس وكونستانتا، بالرغم من طبيعتهما الدراماتيكية، لا يمثلان انزياحاً مفاجئاً بقدر ما يجسدان تصعيداً خطراً لتهديد عابر للحدود طالما ظل كامناً تحت السطح. واليوم، يواجه الناتو واقعاً أمنياً جديداً: خطر متصاعد من الأجواء والمياه على حد سواء، يتطلب درعاً دفاعياً من نوع خاص لم يكن جاهزاً له بعد.
Comments
0 comments