بهذا المعنى، عادت معادلة الضغط المعروفة: عندما يرتفع البنزين وفواتير الطاقة والغذاء، تضيق المساحة المتبقية للفنادق والمطاعم والعطلات والمشتريات غير العاجلة.
أظهرت بيانات باركليز لشهر أبريل انخفاضات كبيرة في الإنفاق على الفنادق والسفر، بينما تراجع إجمالي الإنفاق 0.1٪ على أساس سنوي . وكانت تقارير سابقة مرتبطة بباركليز قد أظهرت انخفاض الإنفاق على السفر 3.3٪، مع تأجيل بعض الرحلات الخارجية أو استبدالها بعطلات داخل البلاد، وهو ما يعرف في بريطانيا باسم staycations
.
هذا النمط مهم اقتصاديًا. فالأسرة تستطيع تأجيل رحلة أو إقامة فندقية أو شراء كبير، لكنها غالبًا لا تستطيع تأجيل فاتورة الطاقة أو سلة الطعام. كما وجدت بيانات مسحية مرتبطة بباركليز أن 14٪ من البالغين في بريطانيا يؤجلون مشتريات كبيرة أو يبنون احتياطيًا ادخاريًا تحسبًا لارتفاع التكاليف .
بعبارة أخرى، المستهلكون لم يكونوا يتعاملون فقط مع أسعار اليوم، بل كانوا يستعدون لاحتمال أن تكون فواتير الغد أثقل.
تراجع الإنفاق جاء أيضًا مع تدهور واضح في المزاج العام. أفادت Which? بأن الثقة في مستقبل الاقتصاد البريطاني هبطت إلى -62 في أبريل، وهو أدنى مستوى منذ ذروة أزمة تكاليف المعيشة، بينما انخفضت الثقة في الأوضاع المالية المستقبلية للأسر ثماني نقاط إلى -23، وهو أضعف مستوى في أكثر من ثلاث سنوات . كما وجدت أن 83٪ من المستهلكين قلقون بشأن أسعار الوقود و85٪ قلقون بشأن أسعار الغذاء
.
وأظهر مسح PwC في الربيع صورة مشابهة: هبط مؤشر ثقة المستهلكين من -1 إلى -13، في أكبر تراجع فصلي منذ يونيو/حزيران 2022، وقال 9 من كل 10 مشاركين إن تكاليف المعيشة هي أكبر مخاوفهم، بينما يخطط 8 من كل 10 لخفض الإنفاق خلال الأشهر التالية . وقالت Deloitte إن المستهلكين كانوا أصلًا تحت ضغط تباطؤ نمو الأجور وتدهور سوق العمل قبل أن تضيف الضغوط الجيوسياسية على الأسعار انتكاسة جديدة
.
الثقة مهمة لأنها تغيّر السلوك قبل أن تظهر الصورة كاملة في بيانات الناتج المحلي أو سوق العمل. عندما تتوقع الأسرة فواتير أعلى أو وظيفة أقل أمانًا أو كلفة رهن عقاري أكبر، يصبح تأجيل الشراء والبحث عن بدائل أرخص وزيادة الادخار الاحترازي رد فعل منطقيًا.
تزامن ضعف بيانات الإنفاق مع قتامة أكبر في توقعات النمو. خفّض صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد البريطاني في 2026 إلى 0.8٪ بدلًا من 1.3٪، ووصفت تقارير مستندة إلى رويترز ذلك بأنه أكبر خفض بين الاقتصادات الغنية الكبرى بسبب تعرض بريطانيا لأثر حرب إيران التضخمي . كما خفّضت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية توقعاتها لنمو بريطانيا في 2026 بمقدار نصف نقطة مئوية إلى 0.7٪، وهو أكبر خفض لأي اقتصاد رئيسي في تحديثها المرحلي للتوقعات
.
أضافت Resolution Foundation سياقًا مهمًا: صندوق النقد الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية خفّضا كلاهما توقعات نمو بريطانيا في 2026 بمقدار 0.5 نقطة مئوية، وهي أكبر تخفيضات بين الدول الغنية . لكنها أوضحت أيضًا أن صدمة الطاقة الحالية ما زالت أصغر من تلك التي أعقبت غزو روسيا لأوكرانيا؛ إذ بلغت ذروة أسعار الغاز في بريطانيا 78 بنسًا لكل ثِرم فوق مستويات ما قبل الحرب، لا 300 بنس كما حدث في 2022
. ومع ذلك، حذّرت المؤسسة من أن عودة الأسعار إلى قممها الأخيرة قد تجعل إنفاق الأسر البريطانية على الطاقة والوقود أعلى بـ11 مليار جنيه إسترليني مما كان سيكون عليه لو بقيت الأسعار عند مستويات أوائل 2026
.
لهذا زادت مخاوف الركود. تراجع إنفاق البطاقات وحده لا يثبت أن الاقتصاد دخل ركودًا، لكنه يصبح أكثر دلالة عندما يجتمع مع أسعار طاقة أعلى، وثقة أضعف، وشروط مالية أكثر تشددًا، وتخفيضات في توقعات النمو .
المشكلة أمام صناع السياسة أن الصدمة تجمع بين أمرين صعبين: هي تضخمية لأنها ترفع أسعار الطاقة، وسلبية للنمو لأنها تضغط على الدخل الحقيقي وتدفع الأسر إلى تقليل الإنفاق الاختياري. قال بنك إنجلترا إن الأوضاع المالية أصبحت أكثر تشددًا منذ بداية الصراع، وهو ما قد يساعد على خفض التضخم بمرور الوقت . لكن KPMG قالت إن صدمة الطاقة قد تحدّ بنك إنجلترا إلى خفض واحد فقط للفائدة هذا العام، مع تأجيل مزيد من التخفيضات إلى 2027
.
وهنا يقع المستهلك بين ضغطين: إذا بقيت الفائدة مرتفعة فترة أطول، تستمر كلفة الاقتراض والرهون العقارية في الضغط. وإذا بقي التضخم مرتفعًا، تتراجع القوة الشرائية الحقيقية. في الحالتين، تميل الأسر إلى الدفاع لا الهجوم: إنفاق أقل وادخار أكبر حيثما أمكن.
تختلف قراءة EY قليلًا عن تخفيضات صندوق النقد الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية اللاحقة. ففي فبراير/شباط 2026، قبل أن يصبح أثر حرب إيران على الطاقة محورًا أكبر للتوقعات، قدمت EY سيناريو نمو متواضعًا: قالت إن تراجع التضخم وانخفاض أسعار الفائدة يفترض أن يحسّنا ثقة المستهلكين، لكن تباطؤ نمو الأجور وارتفاع البطالة سيحدّان من هذا الأثر . وتوقعت EY استمرار نمو إنفاق المستهلكين، لكن بوتيرة متواضعة
.
وهذا ما يجعل التخفيضات اللاحقة من صندوق النقد الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أكثر لفتًا للانتباه: فقد أظهرت مدى سرعة تغير المشهد عندما عادت أسعار الطاقة ومخاطر التضخم وعدم اليقين الجيوسياسي إلى مركز التوقعات .
تراجع إنفاق المستهلكين في بريطانيا في أبريل لأن ثلاثة ضغوط وصلت معًا: صدمة أسعار الطاقة المرتبطة بحرب إيران، تراجع ثقة الأسر، وتدهور توقعات النمو. انخفاض باركليز البالغ 0.1٪ يبدو محدودًا، لكن تركيبته هي الأهم: الأسر أعطت الأولوية للضروريات، وخفضت السفر والترفيه، وبدأ بعضها يبني احتياطيًا ادخاريًا تحسبًا للمزيد من الغلاء .
الصورة الأدق حاليًا ليست ركودًا مؤكدًا، بل ضغطة اقتصادية واسعة على ميزانيات الأسر. مخاطر التضخم ارتفعت، توقعات النمو خُفضت، والمستهلكون أصبحوا أكثر حذرًا. أما تحويل مخاوف الركود إلى حقيقة، فسيحتاج إلى بيانات رسمية لاحقة عن الناتج المحلي والنشاط الاقتصادي.
Comments
0 comments