المشكلة أن خط الإنتاج الأكثر ربحية لعمالقة الذاكرة الثلاثة (سامسونج، SK Hynix، ومايكرون) هو ذاكرة HBM، وهي تلك الرقائق المتطورة التي تجلس بجوار مسرعات الذكاء الاصطناعي من إنفيديا وAMD. للحصول على هذه الأرباح الخيالية، قامت الشركات الثلاث بتحويل جزء كبير من رقاقات السيليكون (Wafer Starts) من إنتاج الذاكرة التقليدية (DDR4 وDDR5) إلى إنتاج HBM. بحلول الربع الثاني من 2026، خصصت SK Hynix أكثر من 55% من طاقتها الإنتاجية من رقاقات DRAM لذاكرة HBM، وخصصت سامسونج حوالي 40%، ومايكرون حوالي 35% . المعنى الحرفي لهذه المعادلة هو: مقابل كل شريحة HBM عالية الربح تباع لإنفيديا، هناك مصنع فقد جزءاً من طاقته لإنتاج الذاكرة التي تدخل في جهاز اللاب توب أو الهاتف الذكي في جيبك. تقديرات المحللين الآن تشير إلى أن مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي ستستهلك ما يقارب 70% من إجمالي المعروض من ذاكرة DRAM المتطورة في عام 2026، وهو انقلاب كامل في الأولويات عن الدورات السابقة حيث كانت الأجهزة الشخصية هي السوق الرئيسي
.
نتج عن هذا الحصار في العرض زيادات سعرية مذهلة. ارتفعت أسعار عقود ذاكرة DRAM التقليدية بنسبة 93-98% على أساس ربع سنوي في الربع الأول من 2026، وهو عامل حاسم في وصول إيرادات الصناعة لهذا المستوى القياسي . والأخطر، تتوقع شركة الأبحاث "تريند فورس" (TrendForce) قفزة فصلية أخرى حادة تتراوح بين 58% و63% خلال الربع الثاني من عام 2026، مع قفزة أكبر لأسعار شرائح التخزين من نوع NAND تصل إلى 75%
.
سبب هذه الزيادات هو الغياب شبه الكامل لأي فائض في المخزون. دخلت شركات DRAM الكبرى الربع الثاني بمخزونات منخفضة للغاية، بينما تُعطى الأولوية في خطوط الإنتاج لوحدات الذاكرة عالية السعة (RDIMMs) المخصصة لخوادم الذكاء الاصطناعي. نتيجة لذلك، أصبح من الصعب تلبية طلبات شركات تصنيع الحواسيب والهواتف الذكية في الوقت المحدد .
خلق هذا السوبر سايكل لوحتي صدارة متناقضتين. في إجمالي إيرادات سوق DRAM، وسّعت سامسونج صدارتها في الربع الأول من 2026 بحصة سوقية بلغت 38.5% (وتشير بعض المصادر إلى 42%)، مدعومة بأكبر طاقة إنتاجية إجمالية في الصناعة وأعلى نمو في متوسط سعر البيع (ASP) بين الشركات الثلاث. تليها SK Hynix ثم مايكرون .
لكن الصورة تنقلب رأساً على عقب في المنتج الأكثر استراتيجية وحساسية: ذاكرة HBM. هنا، SK Hynix هي السيدة المطلقة بحصة تبلغ حوالي 62% من السوق، وهي الشريك الأساسي لإنفيديا في الجيل الجديد HBM4، حيث تحصل على ما يقرب من 70% من مخصصات منصة إنفيديا المستقبلية "فيرا روبن" (Vera Rubin). سامسونج، رغم هيمنتها على الحجم الكلي، لا تزال متأخرة في التأهيل التقني لذاكرة HBM3E لكنها تتسابق بشراسة للحاق بالركب مع تطويرها لـ HBM4. أما مايكرون، فقد تجاوزت سامسونج في بعض مخصصات HBM4، لكنها تواجه ضغوطاً تنافسية هائلة ومخاطر كبيرة بعد استبعادها من منصة إنفيديا الأحدث .
لهذا التحول في القدرات الإنتاجية عواقب فورية وقاسية على الإلكترونيات اليومية. تشير تحليلات صناعية إلى أنه بحلول منتصف عام 2026، ستشكل تكلفة الذاكرة وحدها ما يقرب من 40% من إجمالي فاتورة مواد تصنيع هاتف ذكي منخفض التكلفة. هذا الأمر يعصر هوامش أرباح الشركات المصنعة (مثل شاومي وأوبو وسامسونج نفسها في فئاتها الاقتصادية)، مما يجبرها إما على رفع أسعار الأجهزة أو خفض المواصفات في مكونات أخرى مثل الكاميرا أو الشاشة للحفاظ على السعر .
أسعار ذاكرة DRAM المخصصة للهواتف المحمولة وحدها "في طريقها للتضاعف تقريباً"، حيث يمنح الموردون أولوية قصوى وغير مشروطة لعقود خوادم الذكاء الاصطناعي وذاكرة HBM على حساب أي شيء آخر . حتى مشتري المؤسسات ومديري تقنية المعلومات في الشركات يعانون: تقلصت صلاحية عروض الأسعار من كبرى شركات تصنيع الحواسيب والخوادم من 30 يوماً (وهو المعيار السابق) إلى حوالي 14 يوماً فقط، والأدهى أن بعض البائعين بدأوا يحتفظون بالحق في إعادة تسعير الطلبات المعتمدة قبل شحنها!
.
التحول الهيكلي في السوق يعني أن هذا النقص لن يتم حله بتعديل إنتاجي بسيط أو قصير الأجل. نقلت صحيفة "نيكاي آسيا" (Nikkei Asia) أن المعروض العالمي من الذاكرة سيغطي حوالي 60% فقط من الطلب بحلول عام 2027، حيث يسير نمو الإنتاج بوتيرة تبلغ حوالي 7.5% سنوياً مقارنة بنحو 12% مطلوبة لإشباع السوق .
مصانع الرقاقات الجديدة (fabs) اللازمة لزيادة الطاقة الإنتاجية بشكل ملموس تحتاج من 18 إلى 24 شهراً للبناء والتجهيز، وجزء كبير من هذا الإنتاج الجديد تم بيعه مسبقاً عبر عقود HBM متعددة السنوات. ليس هذا فحسب، بل إن تحويل الإنتاج أيضاً نحو شرائح تخزين NAND المخصصة لأقراص الحالة الصلبة (SSD) في مراكز البيانات قد زاد من حدة الأزمة في قطاع التخزين أيضاً .
تتفق توقعات تحليلية متعددة على أن الأزمة مرشحة للاستمرار حتى أواخر 2027 و 2028، بسبب محدودية التوسع في المصانع، واستنفاد إنتاج ذاكرة NAND، ومخزونات HBM المرتبطة بعقود طويلة الأجل . هناك سيناريو أساسي مرجح (بنسبة 60%) يشير إلى أن الأسعار قد تبدأ في الانخفاض التدريجي البطيء في الربع الثالث من 2026، لكن العودة الكاملة إلى المستويات التاريخية "الطبيعية" غير متوقعة قبل الربع الثالث أو الرابع من عام 2027
. الإجماع العام واضح: طالما استمر الإنفاق على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بهذا الزخم، ولم تدخل المصانع الجديدة التي بدأ بناؤها في 2025-2026 مرحلة التشغيل الكامل (وهو أمر غير مرجح قبل أواخر 2027)، ستظل الأسعار مرتفعة وعمليات التخصيص مشددة
.
تحول سوق DRAM هيكلياً من كونه سوقاً سلعياً دورياً متقلباً إلى سوق "ذكاء اصطناعي أولاً" يعاني من شح دائم في المعروض. الانتقال من عصر تدريب النماذج إلى عصر تشغيلها (الاستدلال) ضاعف عدد الخوادم التي تحتاج ذاكرة، بينما قامت هوامش HBM المرتفعة بامتصاص طاقات مصانع الرقاقات وابتلاعها، تاركة الفتات للقطاعات التقليدية. النتيجة هي فترة متعددة السنوات من الأسعار القياسية، وإعادة تشكيل لخريطة القيادة في السوق، وأسواق تكنولوجيا استهلاكية مضطرة للتكيف مع واقع جديد ودائم في تكلفة الذاكرة وتوافرها.
Comments
0 comments