الدول الثلاث الموقعة هي جميعها حلفاء رسميون للولايات المتحدة. ومع ذلك، وُلد الاتفاق من رحم ما يصفه المحللون بأنه إنذار بشأن الاضطرابات الإقليمية وإحباط عميق من نهج إدارة ترامب المتقلب تجاه النزاع مع إيران . وصفت صحيفة آسيا تايمز الصفقة بأنها "رد فعل عنيف" على القصف الأمريكي المكثف لإيران وما وصفته بـ"دبلوماسية ترامب المتشنجة" لإنهاء الحرب
. من خلال إنشاء آلية دفاع جماعي خاصة بهم، أشارت السعودية وتركيا وباكستان بشكل فعال إلى أنه لم يعد بإمكانها الاعتماد على واشنطن كضامن أمني موثوق
. الرئيس ترامب نفسه أيد الاتفاق لاحقًا على منصته "تروث سوشيال"، واصفًا إياه بأنه "خطوة أولى كبيرة وجريئة ومهمة" ومعربًا عن سعادته بأن الدول الثلاث "ستكون أخيرًا قادرة على الدفاع عن نفسها بطريقة أكثر جدوى"
. يشير هذا التأييد إلى أن واشنطن ترى الاتفاق كشكل من أشكال تقاسم الأعباء يتماشى مع موقفها المناهض لإيران، وليس كتحدٍ لمركزية الولايات المتحدة
.
بينما صرح مسؤولون أتراك علنًا بأن الاتفاق "لا يستهدف أي دولة" و"دفاعي بحت" ، فإن السياق الاستراتيجي يجعل الهدف الأساسي واضحًا لا لبس فيه: إيران ووكلاؤها
. الحكم الأساسي – أن الهجوم المسلح على أحد الموقعين يُعتبر هجومًا على الجميع – يعكس المادة الخامسة من الناتو وهو مصمم لخلق رادع سني موحد ضد العدوان الإيراني
. الحرب في الشرق الأوسط التي اندلعت قبل ثمانية أشهر، والتي جلبت صواريخ إيرانية على مصدري النفط في الخليج وهددت مضيق هرمز، قدمت المحفز المباشر
. كما صرح وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار بأن الاتفاق "لا يوجه ضد أي دولة"، لكنه أقر بأنه مفتوح لدول أخرى في المنطقة وسط تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران
.
يقيم المحللون أن الجمع بين ثلاث قوى عسكرية سنية – تركيا بصناعاتها الدفاعية الكبيرة، السعودية بمواردها المالية، وباكستان بجيشها النووي – يغير بشكل مادي معادلة الردع في المنطقة . يضم تحالف مكة عضوًا في الناتو (تركيا)، وثقل العالم العربي (السعودية)، والدولة الإسلامية الوحيدة المسلحة نوويًا (باكستان)، مما يمنح التكتل ثقلًا عسكريًا فريدًا
.
ليس من المقرر أن يظل الاتفاق ثلاثيًا. الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أشار مرارًا إلى أن مصر قد تكون العضو التالي، واصفًا انضمام القاهرة بأنه "محتمل" ومصفًا المؤسسين الثلاثة بأنهم فقط "الدول الأساسية" لمبادرة أوسع . وبالمثل، وصف وزير الخارجية التركي هاكان فيدان مصر بأنها "شريك طبيعي" وأعرب عن ثقته أنه بمجرد حل "بعض القضايا الفنية"، ستنضم القاهرة
. كما صرح فيدان بأن مشاركة مصر متوقعة "في المرحلة التالية"
.
طريق مصر للعضوية كان معقدًا. في البداية، رفضت القاهرة الانضمام، حيث أفادت وسائل إعلام مصرية مثل "مدى مصر" بأن القرار كان مدفوعًا بالمخاوف من أن تصبح جزءًا من "تكتل سياسي سعودي التأليف" . ومع ذلك، بحلول 14 أغسطس/آب 2026، صرح وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي بأن القاهرة "تدرس إمكانية" الانضمام إلى الاتفاق، مما يشير إلى أن الباب لا يزال مفتوحًا
. يوضح التوسع أن اتفاق مكة صُمم ليكون نواة لتكتل أمني سني أوسع، حيث يتصور كل من أردوغان وفيدان أن المبادرة ستنمو لتشمل في النهاية "جميع دول المنطقة"
.
اتفاق مكة ليس تطورًا منعزلاً. فقبل أيام فقط من توقيع الاتفاق الدفاعي، أطلقت السعودية تحالفًا بحريًا دفاعيًا متعدد الجنسيات يضم 14 دولة (MMDC) لحماية الشحن في البحر الأحمر من هجمات الحوثيين المدعومين من إيران . هذا التحالف، الذي أُعلن عنه في 30 يوليو/تموز 2026، يضم مصر وباكستان وتركيا وبنغلاديش والكويت والبحرين وقطر والأردن والسودان وجيبوتي والصومال واليمن وجزر القمر
.
وبالنظر إليهما معًا، تكشف المبادرتان عن بنية دفاعية شاملة ومتعددة الطبقات: يتولى اتفاق مكة مسؤولية الدفاع الجماعي الإقليمي، بينما يعالج تحالف البحر الأحمر الأمن البحري والاقتصادي من خلال أدوات منفصلة ولكنها متداخلة . كما عينت السعودية اللواء البحري عبد الله بن سالم الشهري قائدًا للتحالف البحري، مما يمنحه هيكل قيادة عملياتي بعد أيام فقط من تأسيسه
. تحالف البحر الأحمر بقيادة سعودية ومقره الرياض، ويستبعد بشكل ملحوظ الولايات المتحدة
.
على الرغم من الآثار الشاسعة لاتفاق مكة، لا تزال العديد من التفاصيل الهامة غير واضحة. لم يُنشر النص الكامل للاتفاق، مما يعني أن النطاق الدقيق لالتزام الدفاع المشترك – بما في ذلك ما يحفز الرد وما الشكل الذي يجب أن يتخذه – غير معروف تمامًا . الاتفاق مبني على اتفاق دفاعي ثنائي سابق بين السعودية وباكستان، لكن علاقته القانونية والعملياتية الدقيقة بتلك الصفقة السابقة لا تزال غير واضحة أيضًا
. بالإضافة إلى ذلك، بينما تتصور تركيا توسع الاتفاق، فإن التردد المصري الأولي يسلط الضوء على التحديات الدبلوماسية لبناء توافق سني أوسع
.
يشير اتفاق مكة للدفاع المشترك، بالإضافة إلى التحالف البحري في البحر الأحمر، إلى إعادة تموضع جوهري للأمن في الشرق الأوسط: القوى الإقليمية تتحرك لبناء تكتلات عسكرية مستقلة لموازنة إيران مع تآكل الثقة في الولايات المتحدة كضامن أمني . مع بند دفاع جماعي على غرار الناتو، ودعوة مفتوحة لمصر ودول أخرى، ودعم قوى عسكرية رئيسية من ثلاث قارات، فإن الاتفاق هو أكثر من مجرد معاهدة – إنه بيان بأن بنية الأمن في الشرق الأوسط يعاد كتابتها من قبل قوى المنطقة نفسها.