قال تقرير نشر في 1 مايو/أيار إن ضربات إسرائيلية قتلت ما لا يقل عن أربعة فلسطينيين في قطاع غزة: فقد تحدث مسعفون عن مقتل ثلاثة أشخاص قرب طريق صلاح الدين في وسط غزة، وعن مقتل شخص آخر قرب مستشفى في دير البلح . وجاء ذلك بينما كان قادة حماس يلتقون وسطاء في القاهرة لمناقشة كيفية إعادة الزخم إلى الهدنة التي جرى التوصل إليها بوساطة أميركية
.
أهمية التوقيت هنا لا تقل عن أهمية الحدث نفسه. فالقنوات الدبلوماسية لم تُغلق، لكن العنف لم يتوقف أيضاً. وخلال الفترة نفسها، تحدثت تقارير عن استمرار اتهام كل طرف للآخر بانتهاك وقف إطلاق النار .
حققت الهدنة نتيجة مهمة: بعد ستة أشهر من دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، توقفت أعنف المعارك بين القوات الإسرائيلية ومسلحين بقيادة حماس . لكن توقف القتال الأشد لا يعني أن النزاع صار محسوماً سياسياً أو أمنياً.
ففي الذكرى الشهرية السادسة للاتفاق، بقيت ملفات كبرى بلا حل، بينها نزع سلاح حماس، وإنهاء حكمها، ونشر قوة استقرار دولية، وبدء إعادة إعمار واسعة . هذه ليست تفاصيل هامشية؛ إنها الأسس التي تحدد ما إذا كان وقف إطلاق النار قادراً على الصمود أمام كل حادث جديد.
تكرار دائرة الاتهامات هو أوضح علامات الهشاشة. فالتقارير تقول إن إسرائيل وحماس تواصلان تحميل كل طرف للطرف الآخر مسؤولية انتهاك وقف إطلاق النار . كما وصف تحليل نشر في مارس/آذار وقفاً لإطلاق النار صمد إلى حد كبير، لكنه ترافق مع اشتباكات منخفضة الحدة، وخروقات مزعومة، وعمليات إسرائيلية ضد حماس
.
هذا يشير إلى مشكلة في التنفيذ لا في النيات المعلنة فقط. فعندما يتحول كل حادث إلى دليل جديد، في نظر أحد الطرفين، على سوء نية الطرف الآخر، يصبح حتى التصعيد المحدود قابلاً للاشتعال سياسياً وميدانياً. الهدنة المتينة لا تحتاج إلى فترات هدوء فحسب، بل إلى طريقة موثوقة للتحقق من الخروقات واحتوائها قبل أن تتوسع.
الأرض هي نقطة ضغط أخرى. نقل تقرير لبلومبرغ نشرته بوسطن غلوب أن إسرائيل وسعت سيطرتها على أراضٍ في غزة، وأنها تدرس عملاً عسكرياً أكثر كثافة . وقال التقرير إن الجيش الإسرائيلي تقدم إلى ما بعد الخط المؤقت المتفق عليه؛ وصرح وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش بأن الجيش بات يسيطر على 60% من غزة، مقارنة بـ53% وفق الخط الأصلي، وهي نسبة قال التقرير إن مسؤولاً إسرائيلياً آخر ودبلوماسياً أجنبياً مشاركاً في مراقبة وقف إطلاق النار أكداها
.
في أي وقف لإطلاق النار، يفترض أن يقلل الخط الميداني المؤقت من الالتباس. أما إذا أصبح الخط نفسه محل نزاع، فإن تثبيت الهدنة يصبح أصعب. كما أن اتساع البصمة العسكرية أثناء الهدنة يعني أن ميزان القوة على الأرض لا يزال يؤثر في المسار السياسي.
الأزمة الإنسانية ليست خلفية بعيدة عن السياسة؛ إنها جزء من اختبار وقف إطلاق النار. بعد ستة أشهر من الهدنة، أفادت لوس أنجلوس تايمز بأن تسليم المساعدات انخفض 80% منذ بدء حرب إيران، وأن مخيمات خيام واسعة لا تزال تؤوي معظم السكان . كما أوردت أسوشيتد برس، في تقرير نشره موقع WTOP، أن سكان غزة بقوا في حالة انتظار بينما ظلت إعادة الإعمار وغيرها من مهام وقف إطلاق النار الأساسية بلا حسم
.
عندما لا تتحسن الحياة اليومية، يفقد وقف إطلاق النار جزءاً من شرعيته لدى الناس على الأرض. ومع كل ضربة جديدة أو اتهام جديد، يصبح الضغط الإنساني عاملاً إضافياً يضعف قدرة الهدنة على امتصاص الصدمات.
اجتماعات القاهرة تعني أن الوساطة لا تزال قائمة، لكن تزامنها مع الضربات الأخيرة يكشف حدود الدبلوماسية عندما يتأخر التنفيذ . كما تحدثت تقارير عن جمود في محادثات تنفيذ خطة مدعومة من الولايات المتحدة
.
الخطر العملي هنا أن تستمر المفاوضات بينما تفرض الوقائع الميدانية إيقاعها. وإذا لم تنتج المحادثات خطوات قابلة للتنفيذ والرقابة، فإن كل جولة تصعيد قد تتحول إلى مفاوضات جديدة تحت النار.
السؤال الأهم ليس فقط ما إذا كانت ضربة أخرى ستقع، بل ما إذا كان وقف إطلاق النار سيكتسب أدوات كافية لاحتواء الحادث التالي قبل أن يتحول إلى تصعيد أوسع.
الأدلة تشير إلى هشاشة وقف إطلاق النار، لا إلى انهياره الحتمي. فقد خففت الهدنة حدة الحرب في غزة ، لكن الضربات الأخيرة والاتهامات المتبادلة تُظهر أنها لا تزال مكشوفة أمام الحوادث الميدانية
، وتنازع السيطرة على الأرض
، والضغط الإنساني الشديد
، وغياب خطط مكتملة للأمن وإعادة الإعمار بعد الحرب
.
بمعنى آخر، نجحت الهدنة حتى الآن في أداء مهمة أكثر من أخرى: ساعدت على منع العودة إلى أعنف مستويات القتال، لكنها لم تصبح بعد تسوية مراقبة وقابلة للتنفيذ تستطيع استيعاب الأزمة التالية.
Comments
0 comments