كان توجيهه الرئيسي صريحاً ولا يُنسى: "لا تستخدموا النماذج المتطورة (Frontier Models) لحل المشكلات غير المتطورة." وحث العمال على تحجيم استخدامهم للذكاء الاصطناعي بشكل مناسب، مشيراً إلى أن الوضع التلقائي في مساعد الطيار (Copilot) هو أداة مدمجة للمطابقة الذكية بين المهمة والنموذج المناسب الأقل تكلفة.
لم يكن هذا مجرد تصريح عابر في مقابلة. لقد كان الرئيس التنفيذي يعالج مباشرة مشكلة ثقافية ومالية داخل جدران شركته، مما يشير إلى نهاية "مرحلة الحداثة" في التعامل مع الذكاء الاصطناعي.
توبيخ ناديلا العلني ليس سوى قمة جبل جليدي أكبر بكثير. لقد تحول اقتصاديات الذكاء الاصطناعي بشكل كبير، وأصبحت العادة القديمة المتمثلة في اللجوء إلى النموذج الأقوى لكل استفسار تشكل الآن تهديداً مباشراً لهوامش الربح. يمكن للذكاء الاصطناعي الوكيل (Agentic AI)، الذي يسلسل مكالمات نماذج متعددة لإكمال مهمة ما، أن يستهلك ما يصل إلى 1,000 ضعف من الرموز مقارنة باستعلام قياسي واحد .
وكمثال واقعي على انفجار التكاليف، ادعى بيتر شتاينبرجر، مبتكر OpenClaw، أن فريقه أنفق أكثر من 1.3 مليون دولار على الرموز لتشغيل وكلاء الذكاء الاصطناعي . حتى مايكروسوفت واجهت ضغوطاً داخلية في التكاليف؛ إذ ورد أن الشركة بدأت في إلغاء تراخيص Claude Code المباشرة وتوجيه المهندسين نحو GitHub Copilot CLI، ليس فقط لتفضيل البائع، ولكن لأن تكلفة استخدام نماذج خارجية قوية للبرمجة الروتينية كانت تخرج عن نطاق السيطرة
.
صاغ ناديلا نفسه هذا الأمر كحقيقة بسيطة: تعامل مع الذكاء الاصطناعي المتطور كمورد صناعي نادر ومكلف، وليس كخدمة مجانية .
يرتبط تحذير ناديلا في برنامج "هارد فورك" ارتباطاً مباشراً بتحول شامل في نموذج الأعمال الأساسي لمايكروسوفت. تبتعد الشركة عن عالم يمكنها فيه ببساطة فرض رسوم ثابتة لكل مستخدم بشري، نحو عالم يملي فيه الاستهلاك غير المتوقع والمتفجر لوكلاء الذكاء الاصطناعي الفاتورة.
1. مطابقة النماذج مع المهام ككفاءة أساسية
تتجاوز دفعة الكفاءة هذه مجرد مذكرة بسيطة لخفض التكاليف. في مؤتمر Microsoft Build 2026، عبّر ناديلا عن رؤية مفادها أن على كل شركة بناء "ذكائها المتطور" الخاص - وهو مزيج من النماذج والبيانات والتقييمات الخاصة - بدلاً من الاعتماد بشكل أعمى على نموذج لغوي كبير واحد ومكلف . إن أمره بتجنب النماذج المتطورة لحل المشكلات البسيطة هو مبدأ تجاري أساسي، وليس مجرد طلب من قسم تقنية المعلومات.
2. وكلاء الذكاء الاصطناعي يُدارون مثل الموظفين
يطرح ناديلا باستمرار فكرة التعامل مع وكلاء الذكاء الاصطناعي على أنهم "موظفون رقميون". وهذا يتجاوز الفلسفة ليصل إلى الترخيص. يُقال إن مايكروسوفت تخطط لفئات مؤسسية جديدة من Microsoft 365 تفرض رسوماً لكل وكيل بدلاً من كل مستخدم بشري، مما يتطلب أن يكون للوكلاء هوياتهم وعناوين بريدهم الإلكتروني وسياسات الوصول الخاصة بهم مثل أي موظف آخر . وكما قال ناديلا، فإن الشركة تتحول من كونها "شركة أدوات للمستخدم النهائي" إلى "شركة بنية تحتية لدعم الوكلاء الذين يقومون بالعمل"
.
3. الانتقال إلى التسعير الهجين
يعتمد مستقبل إيرادات مايكروسوفت على نموذج تسعير جديد أوضحه ناديلا خلال مكالمة أرباح الربع الثالث من عام 2026: وهو التحول من "نموذج المقعد التقليدي إلى نموذج المقاعد بالإضافة إلى الاستهلاك الناشئ" . ما يقرب من 60% من عملاء خدمة العملاء يستخدمون بالفعل أرصدة قائمة على الاستخدام، وقامت الشركة بنقل GitHub Copilot إلى تسعير متوافق مع الاستخدام اعتباراً من 1 يونيو 2026
. ببساطة، لا يمكن لنموذج البرمجيات كخدمة (SaaS) التقليدي القائم على المقعد أن يستمر عندما يمكن لسير عمل وكيل واحد أن يستهلك قدرة حسابية أكبر من آلاف التفاعلات البشرية القياسية؛ لذا تمزج مايكروسوفت الآن بين ترخيص أساسي يمكن التنبؤ به ورسوم استهلاك للقدرة الحاسوبية الثقيلة
.
4. صناعة مجبرة على تحقيق الكفاءة
يعكس تعليق ناديلا واقعاً هيكلياً عبر مشهد الذكاء الاصطناعي بأكمله. تقوم كل من OpenAI و Anthropic و GitHub بإصدار الفواتير بناءً على استهلاك الرموز، وهو ما يكافئ الكفاءة بشكل أساسي ويعاقب الإسراف . تتوقع توقعات لبنك جولدمان ساكس أن تؤدي أعباء العمل الوكيلة إلى زيادة في استهلاك الرموز بمقدار 24 ضعفاً بحلول عام 2030، لتصل إلى 120 كوادريليون رمز شهرياً
. في هذه البيئة، الشركات التي تتقن نظام توجيه ملخص بريد إلكتروني بسيط إلى نموذج رخيص وصغير - وحجز القوة المتطورة للمشكلات الحقيقية والمعقدة - هي التي ستفوز من حيث هيكل التكلفة. أما تلك التي لا تفعل ذلك فستغرق في فواتير الحوسبة السحابية الخاصة بها
.
لم يكن اعتراف ناديلا بـ "أنا مدمن رموز أيضاً" مجرد لحظة من الصدق الساحر. لقد كان توجيهاً ثقافياً واستراتيجياً مُحكماً، يشير إلى أن عصر الذكاء الاصطناعي في مايكروسوفت قد غادر مرحلته التجريبية الخالية من الهموم، ودخل مرحلة يصبح فيها الانضباط في التكلفة، والتوجيه الذكي للنموذج، والترخيص القائم على الوكيل هي ما سيحدد الفائزين والخاسرين في تكنولوجيا المؤسسات.
Comments
0 comments