وفي مقطع آخر من بلومبرغ، قال ديمون إن البنك يحقق وفورات سنوية تقارب حجم استثماره في الذكاء الاصطناعي، وإن لدى الشركة بالفعل مئات حالات الاستخدام لهذه التقنية.
بعبارة أبسط: لا يوجد منتج واحد اسمه «ذكاء اصطناعي» داخل البنك. المسألة أقرب إلى طبقات متعددة: أتمتة في الأعمال الخلفية، أدوات لمراقبة المخاطر، دعم لموظفي خدمة العملاء، أدوات داخلية للموظفين، ومساعدة في اتخاذ القرار. وفي دافوس، وصف ديمون الذكاء الاصطناعي كجزء من مراجعات الأعمال المعتادة، حيث يُسأل القادة والفرق عمّا يفعلونه في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي عبر وظائف مثل المالية والموارد البشرية والعمليات.
أوضح مكاسب الذكاء الاصطناعي في المرحلة الحالية هي الكفاءة والإنتاجية. ديمون قال إن إنفاق جيه بي مورغان على الذكاء الاصطناعي يقابله تقريباً مقدار مماثل من الوفورات السنوية، معتبراً أن فرصة خفض التكاليف الأكبر لا تزال في بدايتها.
وتشير تقارير عن رسالة ديمون السنوية للمساهمين إلى أنه يتوقع أن يؤثر الذكاء الاصطناعي في شبه كل جزء من عمليات البنك، بما يعزز الإنتاجية لكنه قد يلغي أيضاً بعض الوظائف. كما أشار تلخيص آخر للرسالة إلى أن التقنية ستؤثر في خدمات العملاء وكذلك في الأنظمة الداخلية التي يستخدمها الموظفون.
لذلك تبدو نبرة ديمون عملية أكثر منها دعائية. هو لا يقدّم الذكاء الاصطناعي كزينة تقنية، بل كأداة تغيّر اقتصاديات العمل المصرفي: سرعة أعلى، تكلفة أقل في بعض المسارات، وقرارات تشغيلية أسرع. لكن هذه المكاسب لا تأتي مجاناً؛ فهي تمر عبر إعادة تصميم المهام والفرق وسير العمل.
لا يقول ديمون إن الذكاء الاصطناعي سيجعل كل وظيفة أسهل فقط. المصادر المتاحة تشير إلى انتقال أكثر تعقيداً. فقد ذكر تقرير في فبراير 2026 أن جيه بي مورغان أطلق «خطط إعادة توزيع ضخمة» للموظفين الذين تتأثر أدوارهم بالأتمتة، مع إبقاء العدد الإجمالي للموظفين قريباً من 318,500، وخفض أدوار العمليات بنسبة 4% ووظائف الدعم بنسبة 2%.
وفي دافوس، حذّر ديمون من أن الذكاء الاصطناعي قد يتحرك بسرعة أكبر مما يستطيع المجتمع استيعابه، وقال إن الحكومات والشركات تحتاج إلى طرق تعاونية لإعادة تدريب الناس.
الخلاصة هنا واضحة لكنها ليست مثيرة للذعر: ديمون يتوقع أن يغيّر الذكاء الاصطناعي الوظائف، وأن يلغي بعض المهام أو الأدوار، وأن يفرض إعادة تدريب واسعة النطاق. لكن المصادر المتاحة لا تثبت رقماً محدداً لعدد وظائف جيه بي مورغان التي ستُلغى بسبب الذكاء الاصطناعي.
اللافت في المرحلة الحالية أن عنق الزجاجة لم يعد محصوراً في جودة النماذج أو توافر الرقائق. الطفرة بدأت تصطدم بالعالم المادي: كهرباء، شبكات، مراكز بيانات، تبريد، اتصال، ومكونات صناعية يصعب تصنيعها بسرعة.
تقدّر غولدمان ساكس أن الإنفاق على بنية الذكاء الاصطناعي قد يصل إلى نحو 765 مليار دولار بحلول 2026، ثم إلى 1.6 تريليون دولار بحلول 2031، مع استثمارات تراكمية تقارب 7.6 تريليون دولار بين 2026 و2031 في الحوسبة ومراكز البيانات والطاقة.
الكهرباء هي القيد الأكثر وضوحاً. قدّرت غولدمان ساكس أن طفرة الذكاء الاصطناعي ستتطلب نحو 47 غيغاواط من قدرات توليد الكهرباء الإضافية، ولفتت إلى أن طوابير الربط الطويلة ما زالت تحدياً أمام توصيل المشروعات الجديدة بالشبكة.
وتقدّر ديلويت أن الطلب على الكهرباء من مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة قد يرتفع من 4 غيغاواط في 2024 إلى 123 غيغاواط بحلول 2035، كما قالت إن الضغط على الشبكة كان التحدي الأول لتطوير البنية التحتية في استطلاع شمل مسؤولين أميركيين في شركات الطاقة ومراكز البيانات.
مركز بيانات الذكاء الاصطناعي لم يعد قاعة مليئة بالخوادم فقط. غولدمان ساكس تصفه كنظام كهربائي وحراري متكامل مبني حول خوادم شديدة الكثافة، بينما تقول ماكنزي إن الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل مراكز البيانات لتصبح أنظمة طاقة وتبريد مترابطة بإحكام لأحمال عمل عالية الكثافة.
وتلفت ماكنزي أيضاً إلى أن أحد قيود النمو الحرجة يتمثل في قدرة موردي المعدات الصناعية على إنتاج مكونات أساسية طويلة التوريد داخل سلسلة قيمة مراكز البيانات.
كلما زادت كثافة الحوسبة، أصبحت الحرارة مشكلة مركزية. المنتدى الاقتصادي العالمي يشير إلى أن عناقيد الذكاء الاصطناعي التي كانت تعمل سابقاً على مئات من وحدات معالجة الرسوميات باتت تحتاج إلى عشرات الآلاف، وأن الاختناقات لم تعد في السيليكون وحده، بل في الحرارة والطاقة والاتصال والذاكرة أيضاً.
كما يقول المنتدى إن التبريد السائل، والتبريد بالغمر، والهندسات الحرارية الجديدة انتقلت من مرحلة التجريب إلى متطلبات أساسية، لأن التبريد الهوائي التقليدي يواجه صعوبة مع الكثافة الحرارية لوحدات معالجة الرسوميات عند التشغيل الكامل.
تحتاج عناقيد الذكاء الاصطناعي الكبيرة إلى اتصال سريع وموثوق بين عدد ضخم من المسرّعات والأنظمة. أقوى ما تثبته المصادر هنا هو وجود قيد أوسع في الاتصال والشبكات: المنتدى الاقتصادي العالمي يدرج الاتصال بين العوامل التي تبطئ توسع عناقيد الذكاء الاصطناعي، وتقرير آخر يصف انتقال الاختناقات من السيليكون إلى الاتصال عالي السرعة وإمدادات الطاقة الخام.
أما الألياف الضوئية تحديداً، فالمصادر المتاحة لا تقدم رقماً يثبت نقصاً مستقلاً فيها. لذلك فالاستنتاج الأكثر أماناً أن الألياف الضوئية تقع داخل قيد أوسع اسمه الاتصال، لا أنها عنق زجاجة مثبت بذاته في هذه المصادر.
الأدلة أقوى فيما يتعلق بالمعدات والمكونات مقارنة بوجود نقص محدد ومقاس في مادة خام بعينها. ماكنزي تركز على المكونات الحرجة طويلة التوريد في سلسلة قيمة مراكز البيانات، والمنتدى الاقتصادي العالمي يقول إن جزءاً كبيراً من استثمارات مراكز البيانات المتوقعة يرتبط بالتبريد وتوليد الطاقة والأجهزة المجاورة.
هذا لا يعني أن المواد الخام غير مهمة، بل يعني أن المصادر المتاحة هنا لا ترتب السلع أو المعادن حسب درجة الندرة، ولا تثبت أي مادة بعينها كالقيد الأكبر.
رسالة ديمون الأساسية أن الذكاء الاصطناعي لم يعد ينتظر اختراقاً مستقبلياً كي يبدأ أثره. جيه بي مورغان يستخدمه بالفعل في وظائف مصرفية أساسية، ويرصد ميزانية تكنولوجية ضخمة، ويستعد لإعادة توزيع الموظفين حين تغيّر الأتمتة طبيعة الأدوار.
لكن الجانب الآخر من القصة أن سرعة الذكاء الاصطناعي في المرحلة المقبلة قد لا تحددها البرمجيات وحدها. الكهرباء، والربط بالشبكات، ومراكز البيانات الكثيفة، والتبريد، والاتصال، والمعدات التي تستغرق وقتاً طويلاً للتوريد، كلها قد تصبح عوامل تحدد وتيرة الانتشار. بعبارة أخرى: حتى لو واصلت نماذج الذكاء الاصطناعي التحسن بسرعة، فقد تكون البنية التحتية الثقيلة هي التي تضغط على المكابح.
Comments
0 comments