بينما كان بن غفير يتحدث، كانت إسرائيل تنفذ واحدة من أعنف حملات القصف منذ أسابيع. أفادت مصادر أمنية لبنانية بشن أكثر من 120 غارة جوية في جنوب وشرق لبنان، استهدفت بلدات منها برج الشمالي، الكوثرية الرز، حبوش، معركة، وسلعا . وأعلنت وزارة الصحة اللبنانية مقتل 18 شخصاً على الأقل، بينما قدرت بعض المصادر عدد القتلى بما يصل إلى 31، بالإضافة إلى أكثر من 40 جريحاً
.
ضربت الغارات المناطق المدنية بقوة. ففي البقاع الغربي، شنت الطائرات الحربية الإسرائيلية ثماني غارات متتالية على بلدة مشغرة، محدثة ما وصفته الوكالة الوطنية للإعلام بـ'حلقة من النار' أسفرت عن مقتل خمسة أشخاص على الأقل . وفي صور، سويت أحياء سكنية بالأرض، وعملت فرق الدفاع المدني طوال الليل لانتشال الجثث من تحت الأنقاض
.
قال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إنه أمر الجيش بتصعيد هجومه 'لسحق' حزب الله . وزادت هذه الغارات من تمزيق وقف إطلاق النار الذي تم الإعلان عنه في 16 أبريل، والذي كان يتم خرقه بشكل شبه يومي
. منذ تجدد الأعمال العدائية في أوائل مارس، نزح أكثر من مليون لبناني، وقُتل أكثر من 3100 شخص
.
ما ميز هذا اليوم هو الربط الصريح بين العمل العسكري والعملية الدبلوماسية. فقد ألمح بن غفير إلى أن القصف كان يهدف إلى إفشال المفاوضات الأمريكية-الإيرانية، وهي صلة أبرزتها على الفور وسائل إعلام دولية متعددة . ذكرت 'آسيا تايمز' أنه 'في الوقت الذي شنت فيه إسرائيل قصفاً جديداً على لبنان يوم الثلاثاء، أشار وزير أمنها اليميني المتطرف إيتمار بن غفير إلى أنها كانت تحاول إفشال مفاوضات السلام الجارية'
.
لم يكن هذا النمط جديداً. فبعد ساعات من الإعلان عن وقف إطلاق نار أمريكي-إيراني سابق في أبريل، شنت إسرائيل حملة قصف هائلة على لبنان، مما أثار إدانة وزير الخارجية الباكستاني، الذي اتهم نتنياهو بمحاولة تخريب جهود الوساطة عندما كان الطرفان 'على وشك الجلوس للتفاوض' . وقد وثق تحليل لصحيفة 'بيزنس ستاندرد' نمطاً مستداماً: 'لأكثر من عامين، عبر غزة ولبنان والآن في ظل هدنة أمريكية-إيرانية هشة، صعّدت إسرائيل بقيادة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بشكل متكرر في اللحظة التي يكتسب فيها الدبلوماسية زخماً'
.
كان المسؤولون الإيرانيون مباشرين في اتهاماتهم. صرح المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، ناصر كنعاني، بأنه 'لا ينبغي توقع شيء من إسرائيل سوى تخريب أي عملية' . وطالب موقف طهران التفاوضي صراحةً بأن أي اتفاق لإنهاء الأعمال العدائية بين الولايات المتحدة وإيران يجب أن ينهي أيضاً هجمات إسرائيل على لبنان، حيث أفاد مسؤولون بمقتل أو إصابة أكثر من 12,000 شخص
.
كشف إعلان بن غفير أيضاً عن تصدعات داخل السياسة الإسرائيلية. فبينما وضع نفسه وحزبه 'عوتسما يهوديت' كحماة لأمن إسرائيل ضد 'صفقة سيئة'، كان قادة المعارضة ينتقدون بشدة الاتفاق الناشئ أيضاً - ولكن لأسباب مختلفة. انتقد زعيم المعارضة يائير لبيد تعامل نتنياهو مع الموقف وحقيقة أن إسرائيل بدت مهمشة في عملية التفاوض .
رددت المناورات السياسية تدخلات بن غفير السابقة. فقد تفاخر في الماضي بأنه 'من خلال قوتنا السياسية، نجحنا في منع' صفقة رهائن في غزة 'من المضي قدماً مرة تلو الأخرى' . كانت معارضته للدبلوماسية مع إيران امتداداً لموقف متشدد يرى في أي تسوية تفاوضية استسلاماً.
خلف الكواليس، كان المسار الدبلوماسي يظهر علامات حياة حتى مع تساقط القنابل. ذكرت صحيفة 'فاينانشيال تايمز' أن الوسطاء يعتقدون أنهم يقتربون من اتفاق لتمديد وقف إطلاق النار الأمريكي مع إيران 60 يوماً ووضع إطار للمناقشات حول برنامج إيران النووي . وكان روبيو قد أشار إلى أن اتفاقاً قد يتم في غضون أيام
.
لكن مزيج الفيتو العلني لبن غفير والحملة العسكرية المتصاعدة ألقى بظلاله القاتمة على تلك الآفاق. إن تسلسل الأحداث - إعلان عام يعارض أي صفقة، تزامن مع تصعيد عسكري كبير يهدف صراحةً إلى عرقلة المفاوضات - رسم صورة لاستراتيجية متعمدة لجعل الدبلوماسية مستحيلة.
Comments
0 comments