أحد أهم العوامل المباشرة كان ارتفاع أسعار الطاقة نتيجة التوترات بين الولايات المتحدة وإيران. فقد ارتفعت أسعار النفط فوق 100 دولار للبرميل في الأسابيع الأخيرة، ما تسبب في صدمة طاقة عالمية.
ارتفاع أسعار النفط يؤثر مباشرة في التضخم، لأنه يزيد تكلفة النقل والإنتاج في مختلف القطاعات. وعندما يتوقع المستثمرون تضخماً أعلى في المستقبل، فإنهم يطالبون بعائد أعلى على السندات لتعويض تآكل القوة الشرائية للعوائد الثابتة.
هذا ما دفع عوائد السندات طويلة الأجل إلى الارتفاع بسرعة في الولايات المتحدة وأسواق أخرى حول العالم.
حتى قبل صدمة النفط، كانت الأسواق قلقة من أن التضخم قد يظل مرتفعاً لفترة أطول من المتوقع.
في بداية عام 2026، كان كثير من المستثمرين يتوقعون أن يبدأ الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي (البنك المركزي) بخفض أسعار الفائدة. لكن مع تصاعد مخاطر التضخم، بدأت الأسواق تسعّر احتمال أن يبقي الفيدرالي السياسة النقدية مشددة لفترة أطول—أو حتى يرفع الفائدة مرة أخرى إذا لزم الأمر.
توقعات الفائدة المستقبلية تؤثر مباشرة في عوائد السندات، خصوصاً السندات متوسطة وطويلة الأجل التي تعتمد قيمتها بشكل كبير على المسار المتوقع لأسعار الفائدة.
هناك أيضاً عوامل تقنية داخل السوق نفسها ساهمت في تسريع الارتفاع.
عندما ترتفع الفوائد، تقل عمليات إعادة تمويل القروض العقارية، ما يجعل السندات المدعومة بالرهن العقاري (MBS) أطول عمراً من المتوقع. هذه الظاهرة تُعرف باسم تمدد المدة (Duration Extension).
لتقليل المخاطر الناتجة عن ذلك، يقوم المستثمرون في هذه السندات ببيع سندات الخزانة أو استخدام المشتقات المالية للتحوط، وهي عملية تُعرف باسم التحوط بالتحدب (Convexity Hedging). هذه العمليات تضيف ضغط بيع إضافياً على السندات الحكومية، ما يؤدي إلى ارتفاع العوائد بشكل أسرع.
إلى جانب العوامل قصيرة الأجل، هناك قلق هيكلي أكبر يتعلق بالمالية العامة الأمريكية.
فالولايات المتحدة سجلت عجزاً مالياً كبيراً لسنوات، ما أدى إلى زيادة كبيرة في حجم سندات الخزانة المطروحة في الأسواق. ومع ارتفاع المعروض من الديون الحكومية، قد يطالب المستثمرون بعوائد أعلى لشراء هذه السندات، خصوصاً إذا تراجع الطلب أو أصبحت سيولة السوق أقل خلال فترات التقلب.
هذا ما يصفه الاقتصاديون غالباً بارتفاع "علاوة الأجل" (Term Premium)—أي العائد الإضافي الذي يطلبه المستثمرون مقابل الاحتفاظ بسندات طويلة الأجل بدلاً من تجديد استثمارات قصيرة الأجل باستمرار.
الظاهرة لا تقتصر على الولايات المتحدة. فقد ارتفعت عوائد السندات الحكومية أيضاً في أوروبا وآسيا مع إعادة تقييم المستثمرين لمخاطر التضخم ومسارات السياسات النقدية العالمية.
ولأن سندات الخزانة الأمريكية تُعد معياراً أساسياً للنظام المالي العالمي، فإن أي تحرك كبير في عوائدها ينعكس بسرعة على أسواق السندات الأخرى.
ارتفاع عوائد سندات الخزانة يؤثر في عدة مجالات أساسية:
إذا استمرت العوائد المرتفعة لفترة طويلة، فقد ترتفع تكلفة تمويل الدين الحكومي الأمريكي بشكل ملحوظ.
الحكومة الأمريكية تعيد تمويل السندات المستحقة باستمرار وتصدر سندات جديدة لتمويل العجز. وكلما ارتفعت العوائد، زادت الفائدة التي يتعين على الخزانة دفعها على الديون الجديدة، ما يزيد من نفقات الفائدة في الميزانية على المدى الطويل.
هذا لا يعني أن الولايات المتحدة تواجه أزمة تمويل فورية، لكنه قد يضغط على الموازنة العامة ويحد من الإنفاق على أولويات أخرى مستقبلاً.
ارتفاع عوائد سندات الخزانة إلى أعلى مستوياتها منذ ما يقرب من عقدين يعكس تداخل عاملين رئيسيين:
مجتمعةً، دفعت هذه العوامل تكلفة الاقتراض طويلة الأجل في الولايات المتحدة إلى أعلى مستوياتها منذ ما قبل الأزمة المالية العالمية، مع تأثيرات تمتد عبر الأسواق المالية العالمية.