حتى وقت كتابة هذا التقرير، لم تصدر OpenAI أي تحليل موسّع بعد الوفاة (post-mortem) يوضح الأسباب الجذرية المفصلة للعطل . كل ما فعلته الشركة هو الإقرار بوجود مشكلة على صفحة الحالة الرسمية، دون تقديم أي جدول زمني للإصلاح أو تفسير تقني مقنع
.
يقدم حجم الفشل بحد ذاته أقوى دليل على طبيعة المشكلة. فتعطل ست خدمات منفصلة معمارياً – تغطي مهام الاستدلال، وتوليد الصور والفيديو، وتنفيذ الأكواد، وإدارة الهوية – في اللحظة نفسها يشير بقوة إلى انهيار في طبقة أساسية مشتركة. يميل المحللون إلى ترجيح أن يكون السبب فشلاً حاداً في "بوابة API" مركزية، أو في نظام التنسيق الأساسي (Orchestration Backbone)، أو في مزود المصادقة المركزي، بدلاً من أن يكون مجرد خلل معزول في أحد النماذج . لكن بغياب تأكيد رسمي من الشركة، يبقى هذا كله مجرد تكهنات مدروسة.
تسبب العطل في فيضان هائل من بلاغات المستخدمين. على الصعيد العالمي، تلقت منصة Downdetector المتخصصة في رصد الأعطال أكثر من 5,000 شكوى، أكثر من 4,300 منها مصدرها الولايات المتحدة . وأبلغ المستخدمون عبر جميع المنصات – متصفح الويب، وتطبيق الهاتف، وسطح المكتب – عن حظر كامل لهم من الخدمة
.
كانت الهند من بين أكثر المناطق تضرراً، وهو أمر متوقع نظراً لكونها واحدة من أكبر قواعد مستخدمي ChatGPT في العالم، حيث وردت أعداد ضخمة من بلاغات العطل من هناك . ورغم عدم توفر أرقام مستقلة دقيقة لمنصة Downdetector في الهند لهذا التاريخ المحدد وقت النشر، تشير الأنماط التاريخية إلى أن الأعطال الكبيرة لـOpenAI تولد عادة ما بين 500 إلى أكثر من 900 شكوى من المستخدمين في الهند. وقد وُصف هذا الحادث تحديداً بأنه "هائل على الصعيد العالمي، بما في ذلك الهند"
.
بعيداً عن تأثير المستهلك العادي، ترك هذا العطل عملاء واجهة API من المؤسسات بدون أي توجيه حقيقي. المطورون الذين يديرون أعباء عمل إنتاجية على بنية OpenAI التحتية وجدوا أنفسهم في فراغ: لا سبب جذري رسمي، ولا تقييم للأثر، ولا وقت متوقع للتعافي . وفي غياب اتفاقية مستوى خدمة منشورة (SLA)، وهو الضمان الرسمي لوقت التشغيل الذي لا تزال OpenAI لا تقدمه، تُرك مسؤولو المخاطر في المؤسسات لاتخاذ قرارات مصيرية بشأن بنيتهم التحتية دون التحليل الضروري لتقييم احتمالية تكرار الحادثة
.
حادثة 29 مايو لم تأتِ من فراغ، بل هي الأحدث في سلسلة طويلة من انقطاعات الخدمة خلال عام 2026 التي اختبرت ثقة المستخدمين والمؤسسات:
لقد تحول هذا النمط إلى فجوة موثوقية حقيقية وقابلة للقياس. قام تقرير حديث لـ Nordic APIs بتقييم الموثوقية لأكثر من 215 خدمة تقنية خلال أواخر 2025 وأوائل 2026، وأظهر أن واجهات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي (AI/ML APIs) احتلت المرتبة الأخيرة من حيث وقت التشغيل. وسجلت OpenAI وحدها 11 حادثة مميزة في شهر يناير 2026، أي بمعدل حادثة كل يومين ونصف اليوم تقريباً . وعلى مدى 12 شهراً، عانت كل من OpenAI وAnthropic للحفاظ على نسبة توفر تبلغ 99%، وهو معيار قد يعني مع ذلك توقف الخدمة لأكثر من ثلاثة أيام ونصف سنوياً، مقارنة بمتوسط وقت تشغيل يقارب 99.97% الذي يحققه عمالقة الحوسبة السحابية
.
تأتي أزمة الموثوقية هذه في أسوأ توقيت ممكن لـOpenAI. فالشركة أخطأت مؤخراً أهدافها الخاصة من حيث عدد المستخدمين الجدد والإيرادات، ومن المتوقع أن تصل خسائرها إلى 17 مليار دولار بنهاية العام . وعلى الرغم من أن قاعدة مستخدميها من المستهلكين تفوق قاعدة منافستها Anthropic بأضعاف، إلا أن الإيرادات السنوية لـ Anthropic والتي بلغت حوالي 30 مليار دولار في أبريل 2026 قد تجاوزت إيرادات OpenAI التي وصلت لحوالي 25 مليار دولار في فبراير من نفس العام
. كما يكتسب مساعد جوجل Gemini زخماً كبيراً في سوق المؤسسات، مما يزيد الخناق التنافسي
.
عانت Anthropic نفسها من مشاكل موثوقية خطيرة، بما في ذلك انقطاع لخدمة Claude دام عشر ساعات في أبريل 2026 وتبعه حادث آخر بعد أيام . لكن فشل OpenAI في 29 مايو كان أكثر شمولاً بكثير، ممثلاً في انهيار متزامن لكل الخدمات. يضاف إلى ذلك الغياب المستمر لاتفاقية مستوى خدمة عامة (SLA)، وهو ما يتم ذكره بشكل متزايد كعامل فارق وحاسم للمشترين من المؤسسات التي تتجنب المخاطر
. واليوم، توصي تحليلات القطاع التقني المؤسسات صراحة باعتماد استراتيجية "التوجيه متعدد المزودين" مع توثيق آليات الانتقال التلقائي عند الفشل (failover)، بدلاً من الاعتماد على مزود واجهة API ذكاء اصطناعي واحد
.
تبقى عدة أسئلة كبرى دون إجابة بعد حادثة 29 مايو:
إلى أن تصدر OpenAI تحليلاً مفصلاً وشفافاً لحادثة 29 مايو، سيبقى هذا العطل بمثابة جرس إنذار أحمر لأي مؤسسة تبني عملياتها الحيوية على البنية التحتية للشركة.
Comments
0 comments