بينما أشعلت مبيعات الحيتان الفتيل، جاءت القوة التفجيرية من أسواق المشتقات. في الرابع من يونيو، قبل يومين فقط من الانهيار الأخير، شهد سوق العملات المشفرة الأوسع حدثاً هائلاً لخفض المديونية. تمت تصفية ما قيمته 1.75 مليار دولار من المراكز ذات الرافعة المالية بشكل قسري خلال 24 ساعة، مما أدى إلى تصفية أكثر من 351,000 متداول .
وتحمل الإيثيريوم العبء الأكبر من هذا الشلال. تُظهر بيانات محددة من تلك الموجة أن تصفية مراكز الإيثيريوم وحدها بلغت 473 مليون دولار، وجاءت الغالبية الساحقة منها - 408 مليون دولار - من مراكز الشراء التي كانت تراهن على ارتفاع السعر . وبحلول السادس من يونيو، تمت تصفية ما يزيد عن 429 مليون دولار من مراكز الإيثيريوم الإضافية في يوم واحد، وكانت مرة أخرى بأغلبية ساحقة من مراكز الشراء
.
خلق هذا ما يُعرف بـ 'ضغط الشراء' (Long Squeeze). فمع انخفاض السعر، أُغلقت مراكز الشراء المفرطة في الرافعة المالية تلقائياً من قبل المنصات. وأدى هذا البيع القسري إلى دفع السعر إلى الأسفل أكثر، مما تسبب في المزيد من التصفية في حلقة مفرغة. وانخفضت العقود المفتوحة (Open Interest) - وهي إجمالي عدد العقود الآجلة القائمة - بنسبة 22% للإيثيريوم، مما يؤكد حصول عملية تطهير كاملة للرافعة المالية وليس تراجعاً منظماً .
لقد تم وضع أساس هذا الانهيار قبل أسابيع من خلال هروب تاريخي لرؤوس الأموال المؤسسية. سجلت صناديق المؤشرات المتداولة الفورية للإيثيريوم في الولايات المتحدة 17 يوماً متتالياً من صافي التدفقات الخارجة من 11 مايو حتى 3 يونيو، وهي سلسلة غير مسبوقة منذ إطلاق هذه المنتجات. وخلال تلك الفترة، نزفت هذه الصناديق أكثر من 900 مليون دولار من عمليات الاسترداد التراكمية .
تصدر صندوق 'iShares Ethereum Trust' (ETHA) التابع لشركة بلاك روك موجة الهروب هذه باستمرار. في 2 يونيو - اليوم السادس عشر من سلسلة الخسائر - نزف صندوق ETHA وحده 44.27 مليون دولار، بينما خسر الصندوق 51.58 مليون دولار أخرى في 3 يونيو مع وصول سلسلة الخسائر إلى 17 يوماً . لم يقتصر البيع على المؤسسات. أظهرت بيانات سلسلة الكتل أن حاملي الإيثيريوم على المدى الطويل خفضوا نشاطهم الشرائي بنسبة 80% تقريباً بين 1 و 3 يونيو، مما أزال مصدراً حاسماً للطلب في أسوأ لحظة ممكنة
.
عندما انكسرت سلسلة الخسائر أخيراً في 4 يونيو بتدفق وافد متواضع بلغ 19.3 مليون دولار بقيادة ETHA، كان المبلغ أضعف بكثير من أن يعكس الضرر. فبحلول ذلك الوقت، كان السوق قد استبطن أسابيع من البيع المؤسسي كإشارة هبوطية قوية .
حدثت الاضطرابات الخاصة بالعملات المشفرة على خلفية اقتصادية كلية معادية. فقد أدى التضخم الأمريكي اللزج - مع بقاء مؤشر أسعار المستهلك عند 3.8% - إلى إبقاء عوائد السندات مرتفعة وضغط على جميع أصول المخاطرة، من أسهم التكنولوجيا إلى العملات المشفرة . كما دفعت حالة عدم اليقين الجيوسياسي المستمرة رؤوس الأموال المؤسسية نحو البقاء على الحياد، مما قلل من الشهية للرهانات المضاربية
.
وكانت عملة البيتكوين، المؤشر الريادي للسوق، قد انخفضت بالفعل إلى ما دون 67,000 دولار بحلول أوائل يونيو، جارة مجمع العملات المشفرة بأكمله إلى الأسفل، ومتسببة في طلبات هامش عبر الأصول (Cross-asset margin calls) ضاعفت من خسائر الإيثيريوم . وكان الإيثيريوم نفسه قد أغلق شهر مايو 2026 على خسارة بنسبة 12.6%، كاسراً بذلك نمطاً تاريخياً من المكاسب القوية في مايو (24.7% في 2024، و 41.1% في 2025)، ومهيئاً أرضية شديدة الهشاشة لموجة البيع في يونيو
.
لم يكن انهيار السادس من يونيو صدمة عشوائية. لقد كان الفصل الأخير من قصة ظلت تتراكم لأسابيع. أزالت التدفقات المؤسسية الخارجة من صناديق المؤشرات المتداولة عطاءً ثابتاً من السوق. وأبقى التضخم اللزج والمخاوف الجيوسياسية رؤوس الأموال الجديدة على الهامش. وتبخرت قناعة حاملي العملة على المدى الطويل، كما رأينا في انخفاض الشراء بنسبة 80%. وعندما قامت الحيتان أخيراً بنقل مبالغ قياسية إلى منصات التداول للبيع، واجهت سوقاً بلا أي دعم شرائي تقريباً، وسوق مشتقات كان معرضاً بشكل هيكلي لشلال.
وكانت النتيجة عاصفة مثالية. أشار المحللون إلى احتمالية وجود مخاطر هبوطية إضافية نحو 1000 دولار إذا استمر نمط التدفقات المرتفعة إلى المنصات وضغط التصفية المستمر لصفقات الشراء . لقد كان هذا الانهيار بمثابة تذكير صارخ بأنه في أسواق العملات المشفرة، لا تمثل تدفقات سلسلة الكتل، ورافعة المشتقات المالية، ومعنويات المؤسسات، والظروف الاقتصادية الكلية قصصاً منفصلة، بل هي - في لحظات الضغط - القصة نفسها.
Comments
0 comments