لقد قوضت هذه التطورات عملياً إطار وقف إطلاق النار، الذي كان يعاني أصلاً من خروقات يومية . وبينما ظلت الهدنة سارية المفعول اسمياً، فإن حجم العمليات أوضح أن العودة إلى حرب شاملة باتت خطراً حقيقياً ووشيكاً.
كان إعلان منطقة القتال الأكبر من نوعه الذي تصدره إسرائيل منذ بدء هدنة 17 أبريل . فبتصنيفها جميع المناطق جنوب نهر الزهراني - على بعد حوالي 40 كيلومتراً من الحدود الإسرائيلية - كمناطق قتال نشطة، أشار الجيش الإسرائيلي إلى توسع جغرافي كبير في عملياته
.
ونشر متحدث عسكري إسرائيلي على منصة "إكس": "ننصح سكان جنوب لبنان بالإخلاء إلى شمال نهر الزهراني، فجميع المناطق جنوب النهر تعتبر منطقة قتال". وحذر المنشور من أن الجيش سيتحرك "بقوة كبيرة" ضد حزب الله في تلك المنطقة .
شمل القرار ما يقرب من 14% من الأراضي اللبنانية، وجاء بينما استمرت الغارات لليوم الثاني على التوالي في جنوب وشرق لبنان، بما في ذلك سهل البقاع ومدينة صور .
يوم الثلاثاء 26 مايو، شنت القوات الإسرائيلية ما وصفته مصادر أمنية لبنانية بأحد أعنف أيام القصف منذ أسابيع - أكثر من 120 غارة جوية استهدفت جنوب لبنان وشرقه .
وأكدت وزارة الصحة اللبنانية مقتل 31 شخصاً على الأقل وإصابة 40 في غارات الثلاثاء . وكان من بين القتلى 14 مدنياً في بلدة برج الشمالي في قضاء صور، بينهم طفلان وثلاث نساء
. كما طال القصف مناطق قرب قلعة الشقيف الأثرية ومنطقة قانا
.
واستمرت الغارات حتى يوم الأربعاء 27 مايو، بينما كانت العائلات اللبنانية تحتفل بعيد الأضحى. وأفادت السلطات اللبنانية بمقتل تسعة أشخاص إضافيين على الأقل في ذلك اليوم . وقال الجيش الإسرائيلي إنه ضرب أكثر من 100 موقع تابع للبنية التحتية لحزب الله ومقاتليه
. وجاء هذا التصعيد بعد تعهد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو علناً بتكثيف العمل العسكري ضد حزب الله
.
ترافقت الغارات الجوية مع حملة برية أعمق. فقد وسعت القوات الإسرائيلية عملياتها إلى ما وراء ما يسمى بـ"الخط الأصفر" - وهي منطقة أمنية أُعلنت من جانب واحد وتمتد بعمق 10 كيلومترات تقريباً داخل الأراضي اللبنانية، أُنشئت بعد هدنة أبريل .
وأكد مصدران أن الجيش الإسرائيلي تجاوز خط الترسيم هذا، على الرغم من عدم الكشف عن المدى الدقيق للتقدم . الخط الأصفر منفصل عن "الخط الأزرق" الذي رسمته الأمم المتحدة والعلام للحدود الرسمية، ويشكل جزءاً من منطقة عازلة مقترحة تمتد من 5 إلى 10 كيلومترات داخل جنوب لبنان
.
كان التطور الأكثر أهمية من الناحية الاستراتيجية هو التقدم نحو نهر الليطاني، الذي كان بمثابة حدود فعلية طوال فترة الصراع. وكانت إسرائيل قد دمرت في السابق جسوره الرئيسية لعزل الجنوب اللبناني . وفي 27 مايو، اشتبكت القوات الإسرائيلية مع مقاتلي حزب الله في منطقة زوطر الشرقية، وهي بلدة شمال الليطاني، وفقاً لما أكده حزب الله
.
وقال نتنياهو إن الجيش "يعمق" عملياته و"يستولي على مناطق استراتيجية" . ووصف مسؤول عسكري إسرائيلي العمليات بأنها تحركات "مستهدفة" لـ"إزالة التهديدات المباشرة" خارج خط الدفاع الأمامي
.
هذا التوغل فيما وراء الليطاني أعاد إلى الأذهان طموحات سبق الإعلان عنها: ففي مارس، قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش سيحتفظ بـ"منطقة أمنية" حتى نهر الليطاني إلى أجل غير مسمى ويمنع السكان النازحين من العودة .
أعلن حزب الله أن مقاتليه اشتبكوا مع القوات الإسرائيلية شمال نهر الليطاني في 27 مايو . وقالت الجماعة إنها استخدمت طائرات مسيرة متفجرة وصواريخ ومدفعية فيما وصفته بعمليات عسكرية دفاعية ضد التقدم الإسرائيلي
.
كانت هذه العمليات جزءاً من نمط أوسع من الهجمات المضادة شبه اليومية طوال شهر مايو. وأفاد حزب الله بتنفيذه:
وفقاً لمركز ألما للأبحاث، نفذ حزب الله 161 موجة هجومية ضد إسرائيل وقوات الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان خلال أسبوع واحد في أواخر مايو (17-24 مايو)، حيث كانت معظم الهجمات على الأراضي الإسرائيلية باستخدام طائرات مسيرة متفجرة . وقد أثبتت الطائرات المسيرة الموجهة بالألياف البصرية التي يستخدمها حزب الله صعوبة خاصة في اكتشافها واعتراضها
.
حدث تكثيف العمليات خلال عطلة عيد الأضحى، مما ضاعف الأثر الإنساني. قصفت الغارات الإسرائيلية صور والمناطق المحيطة بها بينما كانت العائلات تحتفل بالعيد .
أجبر إعلان منطقة القتال الذي غطى 2000 كيلومتر مربع على موجات نزوح جماعي إضافية فوق أزمة النزوح القائمة أصلاً . وكانت أوامر الإخلاء السابقة قد أفرغت بالفعل عشرات البلدات والقرى جنوب نهر الليطاني
.
وذكرت وزارة الصحة اللبنانية أن الهجمات الإسرائيلية في جميع أنحاء البلاد تسببت في مقتل أكثر من 3100 شخص وإصابة آلاف آخرين منذ تجدد الأعمال العدائية في أوائل مارس 2026 . وقد استؤنف الصراع في 2 مارس 2026، بعد أن أطلق حزب الله صواريخ على شمال إسرائيل عقب أشهر من انتهاكات وقف إطلاق النار
.
أكد هذا التصعيد الانهيار شبه الكامل لهدنة 16 أبريل. تلك الهدنة، التي كان يُقصد بها وقف القتال بعد عملية إسرائيلية ضخمة في 8 أبريل أسفرت عن مقتل 357 شخصاً على الأقل في يوم واحد، تم انتهاكها بشكل شبه يومي بغارات جوية ومدفعية إسرائيلية، وفقاً لمسؤولين لبنانيين ومصادر أمنية .
أصر المسؤولون الإسرائيليون على أن الجيش كان يرد على انتهاكات حزب الله ويتحرك لحماية المجتمعات الإسرائيلية الشمالية. وقال متحدث عسكري إسرائيلي: "نحن نعزز ونوسع سيطرتنا على المنطقة لحماية السكان العائدين إلى الجليل والمجتمعات في الشمال" .
جاء تصعيد أواخر مايو قبل أيام من محادثات مقررة في واشنطن بين وفدين لبناني وإسرائيلي . كما حدث في سياق إقليمي أوسع للعمليات الإسرائيلية المستمرة في غزة وسوريا، والاتصالات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وإيران، على الرغم من أن التركيز الفوري ظل منصباً بقوة على جنوب لبنان.
Comments
0 comments