الميزة الثانية هي قابلية التشغيل عند الطلب. فمحطات الفحم يمكن أن تملأ الفراغ حين ينخفض إنتاج الطاقة الكهرومائية أو يبلغ الطلب الذروة. في 2023، قالت وكالة الطاقة الدولية إن الجفاف في الهند والصين أضعف إنتاج الكهرباء المائية، فزاد توليد الكهرباء بالفحم وعوّض تراجع الفحم في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
بالنسبة إلى المصنع، المرونة ليست فقط سعر الكيلوواط/ساعة. هي أيضاً ألا تتوقف الأفران، وألا تتعطل خطوط الإنتاج، وألا تتأخر الشحنات. القطاع الصناعي في الصين يستحوذ على نحو ثلثي استهلاك الطاقة في البلاد؛ وفي 2019 شكّل التصنيع نحو 55% من استهلاك الصين للطاقة، وجاء 59.6% من طاقة قطاع التصنيع من الفحم. لذلك، لا يبقى استقرار الفحم والكهرباء رقماً في ميزانية شركات الطاقة؛ بل يدخل في تكلفة الصلب والكيماويات ومواد البناء والآلات وفي القدرة على التسليم.
في أوروبا، كانت الحلقة الأضعف هي الغاز. تقرير الاتحاد الأوروبي عن أسعار الطاقة وتكاليفها يقول إن أزمة 2021–2022 أحدثت اضطراباً واسعاً في أسواق الطاقة العالمية والأوروبية، وإن ارتفاع أسعار الغاز رفع أسعار الكهرباء بالجملة في الاتحاد.
بحلول 2023، تراجعت الأسعار عن الذروة، لكنها لم تعد تماماً إلى ما قبل الأزمة. فقد بلغ متوسط مؤشر الكهرباء الأوروبي 95 يورو لكل ميغاواط/ساعة في 2023، أي أقل بنسبة 57% من المستوى القياسي المسجل في 2022. ومع ذلك، يذكر تقرير أوروبي آخر أن انخفاض أسعار الجملة لم يصل بالكامل إلى التجزئة، وأن أسعار الطاقة للأسر والشركات بقيت أعلى مما كانت عليه قبل 2021؛ كما ظلت أسعار الغاز والكهرباء الصناعية، رغم تراجعها عن ذروة الأزمة، أعلى بـ2 إلى 4 مرات من أسعار الشركاء التجاريين الرئيسيين للاتحاد الأوروبي.
هنا يظهر معنى الميزة الصينية: ليست وعداً بأن كل سلعة صينية أرخص، بل أن جزءاً من الصناعة الصينية كان أقل تعرضاً لمسار: غاز مرتفع، فكهرباء مرتفعة، فتكلفة إنتاج مرتفعة. وأشار مركز جاك ديلور أيضاً إلى أن فجوة تكاليف الكهرباء لكبار الصناعيين بين دول الاتحاد الأوروبي من جهة، والولايات المتحدة والصين من جهة أخرى، اتسعت بوضوح في 2023، ولم تُحتوَ إلا جزئياً بآليات دعم الأسعار.
المقارنة مع اليابان وكوريا الجنوبية تحتاج إلى حذر. فالمصادر المتاحة لا تكفي للقول إن الكهرباء الصناعية الصينية كانت أرخص في كل فترة وكل قطاع. المؤكد أن الصين تملك حجماً من إنتاج الفحم المحلي يصعب على البلدين تكراره.
اليابان تلقت الصدمة عبر الوقود المستورد: بلغ متوسط سعر الفحم الفوري الياباني وفق أساس CIF نحو 225 دولاراً للطن في 2022، بزيادة 45% عن 2021. أما كوريا الجنوبية فتواجه موازنة سياسية بين خفض الاعتماد على الفحم والحفاظ على كهرباء موثوقة وميسورة؛ ويُظهر تقرير لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن توليد الكهرباء بالفحم هناك انخفض من 240 تيراواط/ساعة في 2018 إلى 200 تيراواط/ساعة في 2021، وتراجعت حصته من مزيج الكهرباء من 42% إلى 34%.
لذلك، فإن أفضل وصف لهامش الصين أمام اليابان وكوريا الجنوبية ليس أن الفحم أرخص دائماً، بل أن سلسلة الفحم المحلي ومحطات الفحم وفّرت وسادة وقود أكثر سماكة. عندما تتقلب أسعار الوقود الدولية، لا تُترجم كل موجة سعرية بالسرعة والقوة نفسيهما إلى قاعدة التصنيع الصينية.
أولاً، الفحم نفسه ليس محصناً. في 2021 لم يواكب عرض الفحم الطلب، وتداخلت مشكلات سلاسل الإمداد والطقس، ما أدى إلى انقطاعات كهرباء وتعطل مصانع. وخلال الأزمة العالمية، ارتفعت أسعار الفحم بقوة: في 2022 بلغ متوسط السعر الأوروبي 294 دولاراً للطن، ومتوسط سعر CIF الياباني 225 دولاراً للطن، بزيادتين قدرهما 145% و45% عن 2021.
ثانياً، هناك كلفة كربونية طويلة الأمد. تقول وكالة الطاقة الدولية إن الطلب العالمي على الفحم نما في 2023 رغم نمو الكهرباء المتجددة، وإن أكبر زيادة جاءت من الصين؛ ومنذ 2019، ساهم نمو استخدام الفحم، أساساً في توليد الكهرباء، في ما يقارب كامل الزيادة في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون العالمية. كما يعدّ Climate Action Tracker اعتماد الصين على الوقود الأحفوري، وخصوصاً الفحم، عاملاً مهماً في الانبعاثات العالمية.
ثالثاً، الفحم يعالج استقرار اليوم ولا يضمن تنافسية الغد. الصين توسع الكهرباء منخفضة الكربون بسرعة: تُظهر بيانات Ember أن 38% من كهربائها في 2024 جاءت من مصادر منخفضة الكربون، وأن الرياح والشمس شكلتا معاً 18%، كما أسهمت الصين بأكثر من نصف الزيادة العالمية في توليد الكهرباء من الشمس والرياح.
في أزمة الطاقة، عملت منظومة الفحم الصينية مثل عازل تكلفة وتأمين إمداد. فقد خففت، عبر إنتاج محلي ضخم ومحطات قابلة للتشغيل عند الحاجة، تعرض المصانع الصينية المباشر لصدمة الغاز والكهرباء التي ضغطت على أوروبا.
وبالمقارنة مع اليابان وكوريا الجنوبية، ظهر الهامش الصيني في أمن الوقود أكثر من ظهوره في سعر مضمون دائماً. لكن الفحم يحمل مخاطر واضحة: سعره قد يقفز، وسوء التوازن بين العرض والطلب قد يوقف مصانع، والكربون قد يتحول إلى عبء تنافسي.
لذلك لا تبدو الميزة النهائية في البقاء مع الفحم، بل في قدرة الصين على نقل وظيفة الاستقرار التي وفّرها الفحم إلى كهرباء منخفضة الكربون، وشبكات أكثر مرونة، وقدرات تخزين أكبر. الفحم ساعد التصنيع الصيني على امتصاص جزء من صدمة أزمة الطاقة؛ أما الاختبار التالي فهو بناء الصمود نفسه من دون الاعتماد الطويل عليه.
Comments
0 comments