"كتاب القواعد" القديم للرسوم الجمركية لم يعد له وجود فعلياً. ما يقرب من 20% من واردات البضائع العالمية تخضع الآن لرسوم جمركية أو إجراءات مماثلة، وهي موجة حمائية تُسرّع تفكك النظام التجاري متعدد الأطراف إلى تكتلات متناحرة . وتُضاعف الصدمات الجيوسياسية من حالة عدم اليقين؛ يسلط التقرير الضوء على إغلاق مضيق هرمز، الذي يحمل أكثر من ربع النفط المنقول بحراً و 19% من الغاز الطبيعي المسال، مما أدى إلى انخفاض عبور الناقلات بنسبة 90% مع ما يترتب على ذلك من آثار بعيدة المدى على أسواق الطاقة والتضخم العالمي
.
يحدد تقرير مركز دبي للسلع المتعددة (DMCC) ثلاث قوى مهيمنة تقود هذا الواقع التجاري الجديد: الذكاء الاصطناعي، وتقلب الرسوم الجمركية، والتنافس على المعادن الحرجة والتكنولوجيا النظيفة . هذه القوى لا تعمل بمعزل عن بعضها البعض، بل تتفاعل لخلق بيئة تجارية هي في آن واحد أكثر رقمية، وأكثر تشظياً، وأكثر تنازعاً.
إن انهيار النظام القائم على القواعد ليس مجرد تحول في السياسات؛ إنه يعيد تعريف جغرافية سلاسل الإمداد. تنتقل الشركات من نموذج الكفاءة العالمية إلى المرونة الإقليمية، وتتشكل ممرات تجارية جديدة بين الدول المتوافقة سياسياً. إن "نقل العمليات إلى دول صديقة" (Friendshoring)، أي نقل العمليات إلى الحلفاء، يعزز مراكز التجارة البينية، لا سيما في آسيا وأمريكا الشمالية .
لعل أكثر القصص تركيزاً في التقرير هو الدور الضخم الذي يلعبه الذكاء الاصطناعي الآن في تجارة البضائع. تشكل السلع المرتبطة بالذكاء الاصطناعي 15% فقط من حجم التجارة العالمية، ومع ذلك فقد قادت 43% مذهلة من إجمالي نمو تجارة البضائع في النصف الأول من عام 2025، بمعدل نمو أسرع بخمس مرات من السلع غير المرتبطة بالذكاء الاصطناعي .
بلغ الاستثمار المؤسسي في الذكاء الاصطناعي رقماً قياسياً بلغ 581 مليار دولار في عام 2025، لكن فجوة التطبيق واسعة جداً – أقل من 15% من الشركات تصف استخدامها للذكاء الاصطناعي بأنه مدمج بالكامل . وهذه الفجوة بين حجم الاستثمار والتبني على نطاق واسع هي ما يسميه التقرير "واحدة من أكثر الفوارق أهمية في التجارة العالمية"، وهي فجوة آخذة في الاتساع
.
والأهم من ذلك، يحذر التقرير من أن هذا النمو ضيق بشكل خطير. "إذا استبعدنا الطلب على الذكاء الاصطناعي، فالصورة أضعف بكثير" . بعبارة أخرى، فإن محرك التوسع الحالي في تجارة البضائع بأكمله يعتمد على استمرار الإنفاق على البنية التحتية وأجهزة الذكاء الاصطناعي – وهو خطر تركّز يجعل الاقتصاد العالمي عرضة لأي تباطؤ في دورة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي.
في المقابل، هناك قصة أكثر إشراقاً في تجارة الخدمات. تتسارع الصادرات الرقمية في مجالات الحوسبة السحابية والمالية والخدمات المهنية عن بُعد، مع توقعات بنمو بنسبة 4.8% في عام 2026 . يوفر هذا النمو المدفوع بالخدمات تنويعاً محتملاً بعيداً عن سلاسل إمداد البضائع المادية التي تتعرض لضغوط هائلة.
يقول التقرير بصراحة إن سلسلة الإمداد التي كانت موجودة قبل عامين "لم تعد موجودة" . في استطلاع للشركات، أكدت 45% أنها أعادت بالفعل هيكلة سلاسل الإمداد الخاصة بها. لقد تطورت استراتيجية "الصين + 1" التي كانت سائدة – أي التنويع خطوة واحدة أبعد من الصين – إلى "الصين + العديد"، حيث تقوم الشركات بتوزيع التصنيع والمصادر عبر أسواق متعددة لتخفيف المخاطر الجيوسياسية ومخاطر الرسوم الجمركية
.
لقد تغير الحساب الأساسي. لم تعد الشركات تُحسّن عملياتها على أساس التكلفة أو الكفاءة فقط؛ بل تحولت الأولوية إلى المرونة. يصف التقرير المرونة بأنها "الميزة التنافسية الجديدة" . هذا التحول لا تقوده الجغرافيا السياسية فحسب، بل الإدراك بأن نماذج "الوقت المحدد" (Just-in-Time) والمصدر الواحد هشة للغاية في عالم مليء بالصدمات المتكررة.
أحد أكثر أطروحات التقرير استفزازاً هو تناوله لقضية التحول في الطاقة. لم تعد الطاقة النظيفة تُطرح كهدف بيئي في المقام الأول. بدلاً من ذلك، يصفها التقرير بأنها "معركة من أجل التفوق الصناعي" . لقد أصبح التنافس على المعادن الحرجة – مثل الليثيوم والكوبالت والعناصر الأرضية النادرة – قوة جيوسياسية وتجارية أساسية
. تسيطر الصين على أكثر من 90% من العناصر الأرضية النادرة المعالجة في العالم، وهي ضرورية للسيارات الكهربائية ومراكز بيانات الذكاء الاصطناعي والتطبيقات الدفاعية. وأي اضطراب في سلسلة الإمداد تلك، كما يلاحظ التقرير، "سيرسل تموجات عبر كل صناعة على وجه الأرض تقريباً"
.
اتسعت فجوة الاستثمار بين الوقود الأحفوري ومصادر الطاقة المستدامة إلى 102 مليار دولار في عام 2025، مما يؤكد حجم إعادة تخصيص رأس المال الجاري . إن الدول التي تؤمن سلاسل إمداد المعادن وتهيمن على تصنيع التكنولوجيا النظيفة ستحدد، بحسب تحليل التقرير، التسلسل الهرمي الصناعي للعقود القادمة.
يتحول مركز الثقل في التجارة العالمية بشكل حاسم. تمثل التجارة بين بلدان الجنوب – أي التجارة بين الاقتصادات النامية – الآن حوالي 35% من التجارة العالمية، وهي حصة تجاوزت التدفقات بين بلدان الشمال وما زالت في ارتفاع .
القوى المتوسطة هي المستفيد الأكبر. يذكر التقرير على وجه التحديد الإمارات العربية المتحدة وفيتنام والهند كدول تستقطب الاستثمارات وتعيد توجيه سلاسل الإمداد . هذه الدول تضع نفسها كنسيج ضام بين الشرق والغرب، والشمال والجنوب، وتعمل كمراكز للتجارة والاستثمار في عالم يتفكك إلى تكتلات
. دبي، المقر الرئيسي لمركز دبي للسلع المتعددة (DMCC)، هي مثال بارز، لكن الاتجاه أوسع – المدن والمناطق الحرة التي يمكنها تقديم الاستقرار والاتصال والحياد تكتسب على حساب المراكز القديمة المرتبطة بتكتل واحد.
لا يقدم تقرير مستقبل التجارة 2026 رسالة مطمئنة عن التعافي. بدلاً من ذلك، يقدم عالماً يكون فيه الاضطراب هيكلياً، والذكاء الاصطناعي هو المحرك الرئيسي للنمو، وسلاسل الإمداد قد أُعيد بناؤها بشكل جذري، والطاقة النظيفة ساحة للمنافسة الصناعية، ومركز الثقل التجاري العالمي يتحول نحو ممرات الجنوب-الجنوب بقيادة قوى متوسطة رشيقة. بالنسبة للشركات، المعنى واضح: المرونة والتنويع والتكامل الرقمي لم تعد خيارات استراتيجية – بل هي شروط أساسية للمشاركة في النظام التجاري العالمي الجديد.
Comments
0 comments