يركّز كازيمير في حجته على ما يعرف في الاقتصاد باسم آثار الجولة الثانية. والمقصود بها انتقال الزيادة الأولية في أسعار الطاقة إلى عناصر أخرى، مثل الأجور وتكاليف الخدمات والسلع، بحيث يصبح التضخم أكثر رسوخاً وأقل ارتباطاً بالصدمة الأصلية.
ويقول كازيمير إن هذه الآثار الناجمة عن ارتفاع أسعار الطاقة بدأت تظهر بالفعل، وقد تستمر من دون تحرك من البنك المركزي الأوروبي . كما يرى أن ارتفاع تكاليف الطاقة قد ينتقل إلى الأجور والأسعار الأوسع نطاقاً، وأن حتى التوصل إلى اتفاق سلام بين الولايات المتحدة وإيران لن يعيد التضخم إلى مستوى 2% من دون مزيد من رفع الفائدة .
وكان قد أكد في وقت سابق أن البنك «لن يتردد في التحرك إذا تعرض التضخم لخطر البقاء فوق الهدف لفترة طويلة» .
يبدو كازيمير أكثر تشدداً بوضوح من عضو مجلس المحافظين كوخر. فقد قال كوخر في 24 يوليو إنه لا يرى «دليلاً قوياً» على حدوث آثار الجولة الثانية حتى الآن، لكنه أضاف أن البنك سيتدخل إذا تدهورت توقعات التضخم .
ويكشف التباين بين الموقفين عن نقاش متزايد داخل مجلس المحافظين قبل اجتماع 9 و10 سبتمبر. فبينما يركّز كازيمير على التحرك الوقائي لمنع التضخم من التحول إلى مشكلة دائمة، يفضّل كوخر انتظار أدلة أوضح من البيانات المقبلة.
أبقى البنك المركزي الأوروبي فائدة الودائع عند 2.25% بعد اجتماعه المنعقد في 22 و23 يوليو، في قرار وُصف بأنه بالإجماع، لكنه لم يخلُ من نقاش داخلي .
وقالت رئيسة البنك كريستين لاغارد في المؤتمر الصحفي إن بعض المحافظين «تساءلوا» عما إذا كان رفع الفائدة مجدداً مناسباً. كما نص البيان الرسمي على أن البنك يراقب من كثب تأثير ارتفاع أسعار الطاقة، بما في ذلك تداعياته غير المباشرة وآثار الجولة الثانية، تاركاً مجالاً لمزيد من التشديد خلال الأشهر المقبلة .
من هذه الزاوية، لا يتعارض تصريح كازيمير مع قرار يوليو؛ فالقرار أبقى الفائدة دون تغيير، لكنه لم يغلق الباب أمام زيادة جديدة. ويأتي ضغط كازيمير العلني للدفع بهذا الخيار إلى الواجهة قبل اجتماع سبتمبر.
ويمثل مسار الفائدة في 2026 تحولاً حاداً مقارنة بدورة التيسير النقدي خلال 2025. فبعد خفض الفائدة خلال جزء كبير من العام الماضي، رفع البنك الفائدة في يونيو 2026 ثم أبقاها ثابتة في يوليو. واعتبرت الأسواق تثبيت يوليو توقفاً مؤقتاً لا نهاية لدورة التشديد، إذ كانت تسعّر نحو رفعين إضافيين قبل نهاية العام، بدءاً من اجتماع سبتمبر .
تدعم إسقاطات موظفي البنك المركزي الأوروبي الصادرة في يونيو 2026 حجة الجناح المتشدد :
ويشير البنك المركزي الأوروبي إلى أن التضخم قد يعود إلى هدفه البالغ 2% في 2028 إذا تراجعت أسعار النفط بما يتماشى مع أسعار العقود الآجلة، لكنه يحذر في الوقت نفسه من أن التوقعات «شديدة عدم اليقين» بسبب الحرب في الشرق الأوسط .
كما أظهر مسح توقعات الاقتصاديين المحترفين للربع الثاني من 2026 مراجعة كبيرة بالرفع لتوقعات التضخم العام في 2026 إلى 2.7%، بينما بقيت التوقعات طويلة الأجل عند 2% .
وتبرز أهمية هذه المراجعة عند مقارنتها بتوقعات ديسمبر 2025، التي كانت ترى أن متوسط التضخم العام سيبلغ 1.9% في كل من 2026 و2027 . فقد قلبت صدمة أسعار الطاقة المرتبطة بالحرب تلك الصورة السابقة رأساً على عقب.
كانت الأسواق، بعد اجتماع يوليو، تتوقع بالفعل مزيداً من التشديد النقدي. فقد أبقى البنك المركزي الأوروبي مجالاً لرفع الفائدة خلال الأشهر التالية، مع ارتفاع أسعار النفط والغاز مجدداً نتيجة اتساع الصراع في الشرق الأوسط . وتشير تسعيرات الأسواق المالية إلى نحو رفعين إضافيين قبل نهاية 2026، على أن يبدأ المسار المحتمل في اجتماع 9 و10 سبتمبر .
لكن هذه التسعيرات ليست التزاماً مسبقاً من البنك. فقد شددت لاغارد على أن القرارات ستظل معتمدة على البيانات، من دون تعهد بمسار محدد للفائدة . وسيكون التضخم في أغسطس، إلى جانب التوقعات الاقتصادية الجديدة المقرر صدورها في سبتمبر، من أبرز العوامل المؤثرة في القرار.
يقود بيتر كازيمير حالياً الأصوات المطالبة بتشديد السياسة النقدية داخل البنك المركزي الأوروبي، معتبراً أن رفع الفائدة في سبتمبر ضروري لمنع انتقال صدمة الطاقة إلى الأجور والأسعار وترسيخ التضخم فوق الهدف.
أما قرار تثبيت الفائدة عند 2.25% في يوليو، فبدا أقرب إلى توقف مؤقت منه إلى إعلان بلوغ ذروة الفائدة. ومع توقع وصول التضخم إلى 3.4% في النصف الثاني من 2026، سيكون اجتماع سبتمبر اختباراً حاسماً لمعرفة ما إذا كان موقف كازيمير المتشدد سيحظى بتأييد أغلبية مجلس المحافظين.
ومع ذلك، سيظل القرار رهناً بتطورات الصراع في الشرق الأوسط وأسعار الطاقة والبيانات التي ستصدر خلال الأسابيع الستة السابقة للاجتماع. لذلك، فإن رفع الفائدة يبدو احتمالاً قوياً، لكنه ليس قراراً محسوماً بعد.