عاد الين إلى التراجع بعد أسابيع قليلة فقط من أكبر عملية دعم في تاريخه الحديث. فقد أنفقت اليابان 15.4 تريليون ين، أي نحو 98.7 مليار دولار، بين 30 يوليو و26 أغسطس، وتضمنت العملية شراءً منسقاً للين مع وزارة الخزانة الأميركية للمرة الأولى منذ عام 1998. ورغم أن التدخل دفع الدولار مؤقتاً إلى منطقة 155 يناً، فإن الين عاد إلى الاقتراب من ¥160 ثم تجاوزه، في إشارة إلى أن الأسواق رأت في التدخل «قاطعاً للدائرة» أمام الهبوط الحاد، لا حلاً دائماً لفارق العوائد بين البلدين.
3
4
7
كيف أضعفت تصريحات وورش أثر التدخل؟
جاءت الشرارة الأحدث من كلمة رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش في الاجتماع السنوي للبنك المركزي الأميركي في جاكسون هول. فقد عكست تصريحاته لهجة متشددة بشأن مكافحة التضخم والالتزام بالعودة به إلى الهدف، الأمر الذي عزز توقعات المستثمرين بأن يرفع الاحتياطي الفيدرالي الفائدة في سبتمبر أو يبقيها مرتفعة لفترة أطول.
6
9
ارتفاع توقعات الفائدة الأميركية يعني عوائد أعلى محتملة على الأصول المقومة بالدولار. وبذلك عاد المستثمرون إلى تفضيل الدولار، بينما ازداد جاذبية ما يعرف بتجارة الفائدة: الاقتراض بالين منخفض العائد وشراء أصول دولارية أعلى عائداً. هذا التحول في توقعات السياسة النقدية طغى على الأثر لمرة واحدة الذي أحدثته مشتريات اليابان والولايات المتحدة للين.
6
7
فارق الفائدة هو المشكلة الأساسية
التدخل في سوق الصرف يستطيع رفع كلفة المراهنات على انخفاض الين، كما يمكنه كبح حركة سريعة أو مضطربة. لكنه لا يغير، بمفرده، العائد الذي يحصل عليه المستثمر عند الاحتفاظ بالدولار مقارنة بالين. فإذا ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية أو توقع المستثمرون بقاءها مرتفعة، في حين ظلت الفائدة اليابانية أقل بكثير، بقي الدافع الاقتصادي لبيع الين قائماً.
لهذا حذر محللون من أن تدخل بنك اليابان وحده لن يكون كافياً لردع المضاربين. فالين يحتاج إلى سياسة نقدية يابانية أكثر تشدداً، وربما إلى تراجع في توقعات الفائدة الأميركية، حتى تتحول المكاسب المؤقتة الناتجة عن التدخل إلى اتجاه مستدام.
2
7
ماذا تعني تصريحات بيسنت لاحتمال تدخل جديد؟
قال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إن التحركات الأخيرة للين «مضبوطة إلى حد كبير»، وإنها لا تبدو من النوع الفوضوي الذي أدى إلى التدخل الأميركي-الياباني السابق. وتوحي هذه الصياغة بأن واشنطن لا ترى، في الوقت الحالي، الظروف الاستثنائية التي تبرر عملية مشتركة عاجلة أخرى.
1
17
كما شدد بيسنت على ضرورة أن تدعم اليابان الين عبر «السياسة والأساسيات»، وهي عبارة فُهمت على نطاق واسع باعتبارها دعوة إلى تشديد سياسة بنك اليابان. وبذلك تنتقل الكرة إلى طوكيو: المطلوب ليس مجرد شراء الين من احتياطيات الدولة، بل رفع الفائدة وتحسين الأساسيات التي تحدد عوائده.
1
11
12
هذا لا يعني أن التدخل الجديد أصبح مستحيلاً. لكنه يصبح أقل ترجيحاً ما لم يعد الهبوط سريعاً ومضطرباً، أو يهدد بإجبار المستثمرين على فك مراكزهم بصورة جماعية بما قد ينعكس على أسواق السندات العالمية وتكاليف الاقتراض الأميركية.
5
8
هل يمثل ¥160 خطاً أحمر؟
يحظى مستوى ¥160 للدولار بأهمية سياسية ونفسية كبيرة، لكنه ليس مفتاحاً آلياً يطلق التدخل. فالسلطات اليابانية تراقب سرعة الحركة، وتقلبات السوق، وما إذا كانت التداولات فوضوية أو مضاربية، وليس الرقم وحده.
5
6
وتشير تقديرات السوق إلى أن:
- تجاوز الدولار نحو ¥161 قد يرفع مستوى التحذيرات الرسمية.
- التحرك إلى ¥162–¥163، خصوصاً إذا كان سريعاً أو مدفوعاً بالمضاربة، قد يجعل التدخل أكثر احتمالاً.
- العودة إلى القمة السابقة قرب ¥164 ستوفر أقوى مبرر لتحرك ياباني حازم، وربما منسق مع الولايات المتحدة.
لكن هذه المستويات ليست قواعد رسمية معلنة. وقد أشار مسؤول ياباني سابق إلى أن التدخل لا يرتبط بالضرورة برقم محدد مثل 160 أو 162، بل يمكن أن يحدث في أي وقت إذا أصبحت الحركة غير منظمة.
لماذا يترقب المستثمرون اجتماع بنك اليابان في سبتمبر؟
تتركز الأنظار الآن على اجتماع بنك اليابان يومي 17 و18 سبتمبر، بعدما وصلت احتمالات رفع الفائدة في تسعير السوق إلى نحو 90%. ومن شأن رفع الفائدة أن يزيد عوائد الأصول اليابانية ويقلل جاذبية تجارة الفائدة بين الين والدولار، كما سيمنح أي تدخل مستقبلي أساساً اقتصادياً أقوى.
3
12
وكان استطلاع أجرته «رويترز» قد أظهر توقع أغلبية الاقتصاديين رفع الفائدة في سبتمبر، مع توقع تحرك بنك اليابان بوتيرة أسرع من السابق وربما وصول سعر الفائدة النهائي إلى مستوى أعلى.
19
وتكتسب عوائد السندات الحكومية اليابانية أهمية للسبب نفسه: فارتفاعها يزيد العائد النسبي على الأصول المقومة بالين، وقد يشجع الأموال على البقاء في اليابان أو العودة إليها. إلا أن انتعاش العملة لن يصبح مستداماً إلا إذا أشار بنك اليابان إلى مزيد من الرفع مستقبلاً، بالتزامن مع تراجع توقعات الفائدة الأميركية أو استقرارها عند مستويات أقل.
دور اجتماعات مجموعة العشرين
تأتي اجتماعات مجموعة العشرين في توقيت حساس، إذ من المقرر أن يلتقي وزير المالية الياباني ساتسوكي كاتاياما ومحافظ بنك اليابان كازو أويدا بنظرائهما الأميركيين. وقد تتيح هذه اللقاءات لطوكيو وواشنطن تنسيق رسائلهما علناً أو خلف الكواليس بشأن سعر الصرف والسياسات التي ينبغي أن تلي التدخل.
18
ومع ذلك، فإن تصريحات بيسنت الأخيرة تعني أن واشنطن تبدو مستعدة، في الوقت الراهن، لترك الاستجابة النقدية الأساسية لبنك اليابان. وقد يبقى التدخل المنسق خياراً قائماً، لكنه يحتاج على الأرجح إلى موجة بيع جديدة وواضحة الاضطراب حتى يعود إلى الواجهة.
1
8
الخلاصة
لم يفشل التدخل تماماً؛ فقد أوقف الهبوط الفوضوي ورفع الين بقوة في البداية. لكنه لم يبدل المعادلة التي تدفع المستثمرين إلى تفضيل الدولار. ولكي يصبح التعافي دائماً، يحتاج الين إلى دعم من الأساسيات: رفع موثوق للفائدة اليابانية، وارتفاع مستمر في عوائد السندات اليابانية، ويفضل أن يترافق ذلك مع تراجع توقعات الفائدة الأميركية.
ومن دون هذا المزيج، ستظل حتى عمليات شراء الين التي تقترب من 100 مليار دولار عرضة للتلاشي، وقد تتحول عتبة ¥160 من نقطة تدخل مؤكدة إلى مجرد محطة أخرى في اختبار طويل لقدرة اليابان على الدفاع عن عملتها.