وكانت القضية تتعلق بترتيبات سمحت بإسناد جزء كبير من أرباح أبل إلى كيانات أيرلندية مرتبطة بملكية حقوق الملكية الفكرية، في وقت كانت فيه بعض الأرباح تُنسب تاريخيًا إلى مكاتب رئيسية لم تكن تتمتع بإقامة ضريبية واضحة. وقد أدى ذلك، وفق نتائج القضية، إلى معدلات ضريبية فعّالة شديدة الانخفاض، قيل إنها هبطت إلى أقل من 1% في بعض السنوات.
وبالتالي، لم تعتبر المحكمة أن تلك النتيجة سليمة لمجرد أن معدل ضريبة الشركات العام في أيرلندا كان يبلغ 12.5%. فالمسألة لم تكن معدل الضريبة المعلن فقط، بل كيفية تطبيق الأحكام الضريبية على أرباح أبل وتوزيعها بين الكيانات المختلفة.
توضح البيانات أن الأرباح المسجلة في أيرلندا لا تتناسب مع حجم القوة العاملة هناك. فقد أبلغت أبل عن نحو 6 ملايين دولار من الربح قبل الضريبة لكل موظف أيرلندي، مع وجود 5,575 موظفًا تقريبًا، أي نحو 3% من إجمالي قوتها العاملة. وفي ألمانيا، بلغ الرقم نحو 51 ألف دولار لكل موظف، مع 4,089 موظفين ودفع ضرائب نقدية قدرها 153 مليون دولار.
لا يثبت هذا الفارق وحده وقوع مخالفة قانونية، لكنه يوضح طبيعة النموذج: مكان تسجيل الأرباح المتبقية يعتمد بدرجة كبيرة على ملكية الأصول غير الملموسة، مثل البرمجيات والعلامات التجارية وبراءات الاختراع، وعلى ترتيبات توزيع الأرباح داخل المجموعة، وليس فقط على عدد الموظفين أو مكان شراء المستهلكين للمنتجات.
وتتمثل حجة أبل الأساسية في مبدأ ضريبي معروف: ينبغي فرض ضريبة الدخل حيث توجد الأصول والوظائف والمخاطر والملكية الفكرية التي تولّد الأرباح، بينما تُفرض ضريبة القيمة المضافة وغيرها من ضرائب الاستهلاك حيث يشتري العملاء المنتجات.
أما موضع الخلاف، فهو ما إذا كانت ملكية حقوق الملكية الفكرية والترتيبات بين شركات المجموعة تؤدي إلى وضع حصة أكبر من اللازم من الأرباح المتبقية في أيرلندا، مقارنة بحجم الموظفين والأسواق والنشاط التجاري الفعلي في أماكن أخرى.
أفادت شركة Apple Operations International، وهي من أبرز الكيانات الأيرلندية التابعة لأبل، بأنها دفعت 12.1 مليار دولار من الضرائب خلال السنة المالية 2025، بينها 1.4 مليار دولار مرتبطة بنظام الحد الأدنى العالمي للضريبة البالغ 15%، وفق مقياس التقرير المحاسبي. وبلغ معدلها الضريبي الفعّال في أيرلندا 13.8%، أي أعلى من المعدل الاسمي البالغ 12.5%.
لكن لا ينبغي مقارنة نسبة 13.8% مباشرة برقم 17.1 مليار دولار؛ فالمبلغ النقدي الأخير يتضمن الاسترداد التاريخي المرتبط بقضية الاتحاد الأوروبي، بينما يعكس المعدل الفعّال مقياسًا محاسبيًا مختلفًا.
ويقلل نظام الحد الأدنى العالمي للضريبة من الميزة التي كانت أيرلندا توفرها للشركات العملاقة عبر معدلها المنخفض نسبيًا. كما أن قواعد الإبلاغ العلني بحسب الدولة تجعل الفوارق الكبيرة بين أماكن تسجيل الأرباح وأماكن وجود الموظفين والعملاء أكثر وضوحًا.
تكشف بيانات مايكروسوفت عن نمط هيكلي مشابه. فقد سجّلت عملياتها الأيرلندية نحو 47.1 مليار دولار من الأرباح قبل الضريبة، أي قرابة 38% من أرباحها العالمية قبل الضريبة، رغم أن أيرلندا لا تضم سوى نحو 3% من قوتها العاملة. ويؤكد تقرير الشركة للسنة المالية 2025 تطبيق إطار الإفصاح الأوروبي الجديد على هذا النوع من البيانات.
ولا يعني التشابه أن ترتيبات الشركتين متطابقة أو غير قانونية، لكنه يبرز جاذبية أيرلندا للشركات متعددة الجنسيات التي تدير حقوق ملكية فكرية أو أنشطة إقليمية من داخلها.
استفادت أيرلندا لسنوات من معدل ضريبة الشركات البالغ 12.5%، والقوى العاملة الناطقة بالإنجليزية، والوصول إلى السوق الأوروبية، وشبكة المعاهدات، ونظامها الضريبي الجاذب للمقار الإقليمية والملكية الفكرية. لكن هذه المكاسب تأتي مع اعتماد كبير على عدد محدود من الشركات الكبرى.
في عام 2024، شكّلت شركات أبل ومايكروسوفت وإيلاي ليلي نحو 46% من إيرادات ضريبة الشركات في أيرلندا. وهذا يعني أن الدولة حققت إيرادات استثنائية، لكنها أصبحت أكثر تعرضًا لإعادة هيكلة الشركات، وتغير القواعد الضريبية الدولية، وتقلب أرباح عدد صغير من المؤسسات.
لا تقول الإفصاحات إن أبل «لا تدفع ضرائب» في أيرلندا. بل تكشف صورتين في آن واحد: مساهمة ضريبية أيرلندية ضخمة خلال السنة المالية 2025، تضخمت بفعل تسوية قضائية استثنائية؛ ونموذجًا لتسجيل الأرباح تختلف فيه الخريطة الاقتصادية عن خريطة الموظفين والعملاء.
والسؤال الأهم لم يعد فقط: كم دفعت أبل؟ بل أيضًا: أين سُجّلت الأرباح، ولماذا؟