ولا تعني هذه الأرقام بالضرورة وجود تناقض؛ فالتقدير الروسي يتناول صورة أوسع لعام 2026، بينما تغطي البيانات الأرمينية الأشهر الستة الأولى فقط. لكن الرقمين، مجتمعين، يشيران إلى تدهور حاد، لا إلى مقياس نهائي واحد لأثر القيود على مدار العام.
بالنسبة إلى موسكو، تثبت القيود أن روسيا لا تزال قادرة على معاقبة المصدّرين الأرمينيين. أما بالنسبة إلى يريفان، فهي تكشف مخاطر الاعتماد على سوق مهيمنة واحدة، وتمنح الشركات سببًا مباشرًا لإعادة توجيه تجارتها.
بلغت صادرات أرمينيا إلى دول الاتحاد الأوروبي 516 مليون دولار خلال النصف الأول من 2026، بزيادة قدرها 80% مقارنة بـ287 مليون دولار في الفترة نفسها من 2025. وجاء هذا الارتفاع بينما فرضت روسيا تدريجيًا قيودًا على واردات الفواكه والخضروات والأعشاب والزهور والمياه المعدنية والكحول ومنتجات الألبان والأسماك من أرمينيا.
ولا يعني ذلك أن الأسواق الأوروبية قادرة على تعويض السوق الروسية فورًا. فإعادة توجيه الصادرات تحتاج إلى سلاسل لوجستية جديدة، والامتثال لمعايير مختلفة، والعثور على مشترين ومصادر تمويل. لكنها توضح أن القيود الروسية لا تعمل في فراغ؛ فأمام أرمينيا سوق كبيرة أخرى، والاتحاد الأوروبي يساعدها على الوصول إليها.
وتعهدت بروكسل في يوليو بتقديم 18 مليون يورو إضافية من الدعم الاقتصادي، كما خففت بعض قواعد التصدير الخاصة بالسلع الأرمينية. وتبلغ قيمة «خطة الصمود والنمو» الأوروبية الأوسع 270 مليون يورو، وهي مخصصة لدعم الإصلاحات والاستثمار والتعاون في قطاعات تشمل الطاقة والنقل والقطاع الخاص. كذلك اقترحت المفوضية الأوروبية إجراءات مؤقتة لتحرير التجارة للمنتجات الأرمينية، ردًا على الاضطراب التجاري.
وهنا تتشكل حلقة تغذية عكسية: كلما زاد الضغط الروسي، ازدادت قيمة المساعدة الأوروبية، وكلما توسعت المساعدة الأوروبية، أصبح بإمكان أرمينيا تحمّل الضغط الروسي بدرجة أكبر.
تؤكد المكالمة الهاتفية التي أجراها رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في يوليو أن أرمينيا لم تقطع علاقتها الاقتصادية بروسيا. فقد طلب باشينيان من بوتين المساعدة في حل القيود المفروضة على الصادرات الأرمينية. لكنه قال في الوقت نفسه إن هذه الإجراءات تنتهك الاتفاقيات الثنائية والإطار القانوني للاتحاد الاقتصادي الأوراسي.
هذا موقف أكثر تعقيدًا من مجرد قطيعة جيوسياسية. فأرمينيا تحاول الحفاظ على الوصول إلى السوق الروسية، لكنها ترفض أن يصبح هذا الوصول مشروطًا بالتوافق السياسي مع موسكو. ومن خلال الاستناد إلى قواعد الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، تقدّم يريفان الخلاف بوصفه خرقًا لالتزامات مؤسسية، لا إجراءً مشروعًا تفرضه حتمية التقارب الأوروبي.
وتكشف المناشدة أمرين في آن واحد:
تنظر أرمينيا أيضًا إلى ما هو أبعد من الاتحاد الأوروبي لتقليل عزلتها. ويتضمن برنامج حكومة باشينيان للفترة 2026–2031 تطبيع العلاقات مع أذربيجان وتركيا. وفي الوقت نفسه، وصف مسؤولون أرمينيون وأتراك الحوار بين البلدين بأنه بلغ مستوى يمكن أن يدعم فتح الحدود، بينما اتخذ الطرفان خطوات باتجاه تجارة أكثر مباشرة.
وقد يتيح فتح أوسع للعلاقات بين أرمينيا وتركيا طرقًا تجارية وروابط اقتصادية بديلة. ويرى محللو RANE أن التقارب بين البلدين قد يساعد أرمينيا على تقليل اعتمادها على روسيا إلى حد ما، رغم أن الإكراه الروسي قد يقيّد هذه العملية.
وتكمن أهمية ذلك في أن نفوذ روسيا لم يتعزز تاريخيًا من خلال العلاقات الاقتصادية مع موسكو فحسب، بل أيضًا بسبب محدودية الخيارات الإقليمية أمام أرمينيا. فإذا تحسنت العلاقات مع تركيا وأذربيجان، فقد تحصل يريفان على مساحة أكبر لتنويع تجارتها وممرات اتصالها. وهذا لن يلغي النفوذ الروسي، لكنه سيقلل قدرة موسكو على لعب دور الوسيط الذي لا يمكن للمنطقة الاستغناء عنه.
تضع رسالة موسكو القائمة على «الاختيار» روسيا أمام معضلة. فإذا سمحت لأرمينيا بمواصلة التقارب مع الاتحاد الأوروبي مع الاحتفاظ بعضويتها في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، فقد تبدو وكأنها تقبل نموذجًا للتوافق المحدود سبق أن وصفته بأنه غير ممكن. أما إذا طردت أرمينيا، فستحوّل القطيعة إلى واقع رسمي وتتخلى عن قناة مؤسسية مهمة للتأثير فيها.
لذلك يرى محللون أن الطرد الكامل أقل احتمالًا من استمرار تعايش متوتر بين الطرفين. وتخلص مؤسسة كارنيغي إلى أن انجراف أرمينيا التدريجي نحو أوروبا سيستمر بعد فوز باشينيان، لكنه لن يؤدي على الأرجح إلى قطيعة فورية مع روسيا، لأن كلا الجانبين لا يزال يستفيد من التعاون.
هنا تضيق خيارات روسيا. فالقيود التجارية قد تضر المنتجين الأرمينيين، لكنها تجعل تنويع الأسواق أكثر إلحاحًا. والتهديدات السياسية قد تجبر يريفان على الرد، لكنها قد تقوي في الداخل الحجة الداعية إلى تقليل الاعتماد على موسكو. أما الطرد، فسيسلب روسيا الإطار نفسه الذي تحاول استخدامه أداةً للضغط.
تهدف صياغة بيسكوف إلى جعل خيار أرمينيا ثنائيًا: أوروبا أو الاتحاد الاقتصادي الأوراسي. لكن يريفان حاولت الحفاظ على علاقاتها الاقتصادية القائمة، مع الاقتراب من الاتحاد الأوروبي وفتح قنوات إقليمية إضافية.
وقد لا تكون هذه الاستراتيجية قابلة للاستمرار إلى أجل غير مسمى. فالنظامان الجمركيان للاتحاد الأوروبي والاتحاد الاقتصادي الأوراسي متعارضان بنيويًا، وهو ما قاله بوتين أيضًا. لكن الضغط الاقتصادي الروسي قد يسرّع الظروف التي تمكّن أرمينيا من اتخاذ قرار أكثر استقلالًا.
ولا تزال روسيا قادرة على فرض كلفة، كما أن المسار الأوروبي لأرمينيا غير محسوم. فبحسب تقارير يوليو، لم تقدّم أرمينيا بعد طلبًا رسميًا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. لذلك فإن الوصف الأدق لموقع روسيا ليس أنها أصبحت بلا أهمية، بل إن نفوذها يفقد فعاليته تدريجيًا: فما زالت لدى موسكو أدوات ضغط، لكنها أصبحت أكثر كلفة وأقل موثوقية، وقد تدفع الحليف السابق نحو البدائل التي تريد روسيا نفسها أن يرفضها.