وبذلك، فإن نقطة الخلاف الأساسية ليست وقوع الغارات أو حجم أضرارها، بل السؤال الذي سبقها: هل كانت هناك بالفعل خطة تركية للتمركز العسكري في أبو الظهور، أم أن إسرائيل تحركت بناءً على تقدير استخباراتي لاحتمال مستقبلي لم تؤكده دمشق أو أنقرة؟
في 14 أغسطس/آب، أي قبل الهجوم بأربعة أيام، أجرى رئيس جهاز الموساد الإسرائيلي رومان غوفمان اتصالاً هاتفياً بوزير الخارجية السوري أسعد الشيباني. ووفق مصادر نقلت عنها رويترز، ناقش الطرفان الانتشار العسكري التركي في سوريا.
ويشير توقيت الاتصال إلى أن الغارات لم تأتِ بمعزل عن اتصالات سياسية وأمنية رفيعة المستوى. فقد كان موضوع الوجود التركي في سوريا حاضراً في نقاش مباشر بين مسؤولين إسرائيلي وسوري قبل استهداف القاعدة.
مع ذلك، لا تثبت المعلومات المتاحة أن الاتصال كان إنذاراً إسرائيلياً رسمياً، أو أن دمشق رفضت طلباً إسرائيلياً محدداً، أو أن المكالمة أدت مباشرة إلى تنفيذ الغارات.
وصف المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم باراك الهجوم بأنه «تصعيد غير ضروري» لا يخدم الاستقرار الإقليمي.
وتكمن المخاطرة العملية في احتمال سوء التقدير. فاستهداف موقع سوري مرتبط، ولو بصورة ملتبسة، بتعاون تركي قد لا يضغط على دمشق وحدها، بل قد يفتح الباب أمام احتكاك مباشر بين إسرائيل وتركيا وسوريا. وأشار باراك إلى أن تركيا لم تُبلّغ مسبقاً بالضربة، ما كان يمكن أن يدفعها إلى الاستعداد لرد عسكري بعد رصد الطائرات المتجهة شمالاً نحو أراضيها.
لهذا السبب، عملت الولايات المتحدة على الدفع نحو إنشاء «آلية لمنع الاحتكاك» بين إسرائيل وتركيا وسوريا؛ أي قناة اتصال وإجراءات ميدانية تهدف إلى تجنب الحوادث العسكرية وسوء الفهم قبل تحولهما إلى مواجهة أوسع.
قدّم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الضربة داخلياً بوصفها دليلاً على أن حكومته مستعدة للتحرك مسبقاً ضد ما تعتبره تهديدات، وعلى رفضها أي تمدد عسكري تركي جنوباً داخل سوريا. وقال إن إسرائيل وجّهت إلى تركيا «رسالة واضحة» مفادها أنها لن تتسامح مع ترسيخ وجود عسكري تركي يهدد أمنها.
ويخدم هذا الخطاب أيضاً صورة نتنياهو كزعيم يتخذ قرارات أمنية حازمة، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية. لكن تقديم الضربة كإنجاز سياسي أو كضرورة عملياتية لا يثبت وحده أن خطط إقامة قاعدة تركية كانت مؤكدة؛ فالمصادر المتاحة لا تدعم بصورة قاطعة وجود مثل هذه الخطة.
في الوقت نفسه، تنسجم الغارات مع نهج إسرائيلي أوسع يقوم على مواصلة العمل العسكري داخل سوريا ومراقبة التحركات المرتبطة بتركيا عن كثب. غير أن أثرها المباشر كان زيادة حدة التحذيرات العلنية بين إسرائيل وتركيا، وجعل ترتيبات منع الاحتكاك أكثر إلحاحاً.
ألحقت الغارات الإسرائيلية الثماني أضراراً بمدرج قاعدة أبو الظهور ومنشآت التخزين، من دون تسجيل إصابات، لكنها لم تحسم ما إذا كانت تركيا تخطط فعلاً لإقامة قاعدة أو نشر قوات في الموقع.
الأهم أن الضربة نقلت التوتر من خلاف على النفوذ داخل سوريا إلى خطر احتكاك بين ثلاث دول: إسرائيل التي تسعى إلى ردع أي وجود تركي تعتبره تهديداً، وتركيا التي ترفض الهجمات الإسرائيلية، وسوريا التي تحاول إدارة تعاونها العسكري مع أنقرة. وبينما استخدمت إسرائيل القوة لإيصال رسالتها، حاولت واشنطن إنشاء قنوات تمنع تحول الرسائل المتبادلة إلى مواجهة إقليمية مباشرة.