النموذج التشغيلي الذي ساعد آبل على بلوغ هذا الحجم الهائل جعلها في الوقت نفسه أكثر تعرضاً للمخاطر الجيوسياسية ومخاطر التوريد. فالتقارير التي تحدثت عن اختبار آبل شرائح ذاكرة من شركة «CXMT» الصينية، وسط نقص أوسع في شرائح الذاكرة، تسلط الضوء على المعضلة التي ستواجه الإدارة المقبلة: تأمين مكونات كافية قد يتعارض مع الضغوط الأميركية للحد من الاعتماد على موردي التكنولوجيا الصينيين.
ولا يثبت ذلك أن كوك ارتكب خطأً استراتيجياً بسيطاً أو واضحاً. فقد ساعد تركّز التصنيع آبل على تنسيق سلسلة عالمية شديدة التعقيد، وعلى المنافسة بأحجام إنتاج ضخمة. لكن الكفاءة لا تعني بالضرورة المرونة. فسلسلة الإمداد المصممة لتحقيق أقصى قدر من الحجم قد تصبح أقل قدرة على التكيف عندما تتغير القيود التجارية أو تحدث أزمات في المكونات أو تتصاعد التوترات السياسية.
وأصبحت انتقادات المحللين أكثر مباشرة. فقد خفّضت «جيفريز» تصنيف آبل إلى «أداء دون السوق» وخفضت السعر المستهدف إلى 263.66 دولاراً، مستندة إلى مخاوف بشأن سلسلة الإمداد وشكوك في قدرة الشركة على طرح أشكال جديدة من آيفون الفاخر. وهذه أحكام تحليلية وليست حقائق مثبتة نهائياً، لكنها تحدد خطراً يراقبه المستثمرون بصورة متزايدة: قد يصبح من الأصعب على آبل استخدام إعادة تصميم الأجهزة الطموحة للحفاظ على قوة التسعير، في وقت ترتفع فيه تكاليف المكونات.
اختارت آبل جون تيرنوس، نائب الرئيس الأول لهندسة الأجهزة، رئيساً تنفيذياً اعتباراً من 1 سبتمبر 2026. وسيتولى كوك منصب الرئيس التنفيذي لمجلس الإدارة، وقالت آبل إن الانتقال جاء نتيجة عملية طويلة الأمد للتخطيط للخلافة.
ويبدأ تيرنوس مهمته بأصول استثنائية: علامة تجارية معروفة عالمياً، وقاعدة ضخمة من الأجهزة المستخدمة، ومؤسسة ناضجة لتطوير العتاد، ومنظومة خدمات آخذة في النمو. لكنه يرث أيضاً مهمة أكثر تعقيداً من مجرد إبقاء الآلة الحالية قيد التشغيل.
ومن أبرز تحدياته المبكرة:
وقد يوفر انتقال كوك إلى منصب الرئيس التنفيذي لمجلس الإدارة استمرارية مفيدة خلال المرحلة الانتقالية. لكنه قد يخلق أيضاً حالة من الغموض إذا لم يكن الفصل بين نفوذ الرئيس التنفيذي للمجلس وصلاحيات الرئيس التنفيذي واضحاً. فنجاح الخلافة سيتطلب من تيرنوس الاستفادة من نقاط القوة المؤسسية التي بناها كوك، من دون أن يصبح مسؤولاً عن قرارات لا يملك السيطرة الكاملة عليها.
وفقاً للمؤشرات الأكثر وضوحاً—خلق قيمة للمساهمين، وتوسيع حجم الشركة، والانضباط التشغيلي، وتطوير المنظومة—كان كوك واحداً من أنجح الرؤساء التنفيذيين في تاريخ الشركات الحديث. كما عزز الربع الأخير من عهده، بإيرادات بلغت 109.4 مليار دولار ونمو سنوي قدره 16%، قوة الشركة التي يتركها وراءه.
لكن الوجه الآخر لا يقل أهمية. فآبل في عهد كوك ليست محصنة ضد الهشاشة الاستراتيجية. إذ أصبح اعتمادها على التصنيع العالمي المعقد، والموردين الصينيين، واستمرار الابتكار في المنتجات الفاخرة أكثر حساسية مع إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية وتكاليف الذاكرة وقطاع الذكاء الاصطناعي لصناعة التكنولوجيا.
لذلك، فإن التقييم الأكثر إنصافاً لا يقوم على الإشادة المطلقة ولا على النقد بأثر رجعي. لقد حوّل كوك آبل إلى منصة استهلاكية قوية وفريدة. أما اختبار تيرنوس، فسيكون في الحفاظ على اقتصاديات هذه المنصة وولاء مستخدميها، مع تقليل نقاط الضعف المرتبطة بالاعتمادات التي أسهم نموذج كوك نفسه في بنائها.