وتبدو الخسائر قاسية بصفة خاصة في بريطانيا. فقد أصبحت نحو ثلاثة أرباع إنجلترا رسمياً ضمن مناطق الجفاف بعد موسم زراعي حار وجاف على نحو استثنائي. ويؤدي ضعف نمو المراعي إلى زيادة الضغوط على مزارع الماشية والألبان، بينما يتجه محصول الحبوب البريطاني إلى أن يكون الأسوأ منذ بدء السجلات القابلة للمقارنة في عام 1984.
لا يعني انخفاض المحاصيل تلقائياً ارتفاع أسعار المتاجر بالنسبة نفسها. فالأسعار النهائية تتأثر أيضاً بالواردات والمخزونات والطاقة والنقل والتصنيع وقرارات تجار التجزئة. لكن اتجاه الضغط واضح: عندما ينكمش الحصاد، تقل الكميات المتاحة للمزارعين والمصنعين، وقد يضطرون إلى شراء بدائل بتكلفة أعلى.
وحذر مزارعون بريطانيون كذلك من أن الحرارة والجفاف يقللان حجم وجودة بعض الفواكه والخضروات. وقد يؤدي ذلك إلى رفع تكلفة كل وحدة قابلة للبيع، وإلى ما يشبه «انكماش الحجم»؛ أي حصول المستهلك على منتجات أصغر بدلاً من مواجهة زيادة سعرية واضحة.
وتضع تقديرات أولية خسائر المزارعين في الاتحاد الأوروبي وبريطانيا جراء فشل المحاصيل عند ما يصل إلى 2.3 مليار يورو. وهذه التقديرات ليست حصيلة نهائية مدققة، لكنها توضح حجم الصدمة الفورية التي أصابت إيرادات المنتجين.
تربط الأنهار الأوروبية بين المزارع والموانئ ومحطات الطاقة والمراكز الصناعية. وفي أغسطس، سجلت أنهار اللوار وبو والراين والدانوب مستويات قياسية الانخفاض، بينما كان نحو نصف أراضي الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة واقعاً تحت مستوى من مستويات الجفاف، وفق الرصد الأوروبي.
ويعني انخفاض المياه أن الصنادل النهرية لا تستطيع تحميل الكميات المعتادة. وقد يؤدي ذلك إلى تأخير أو تغيير مسار شحنات المواد الكيميائية والوقود والحبوب والمدخلات الصناعية، ورفع تكاليف النقل، وزيادة الضغوط على المصانع التي تعتمد على الممرات النهرية. وأفادت رويترز بأن حجم البضائع المنقولة بين روتردام والراين كان أقل بنحو 10% من المعتاد في أواخر يوليو.
ويكتسب نهر الراين أهمية خاصة بالنسبة إلى قلب الصناعة الألمانية وروابطه بموانئ بحر الشمال. ولا يقتصر الخطر على تأخر شحنة واحدة؛ فانخفاض المياه لفترة طويلة قد يجبر الشركات على نقل البضائع عبر الطرق أو السكك الحديدية، والتنافس على طاقة بديلة محدودة، والاحتفاظ بمخزونات أكبر.
يمكن لنقص المياه الذي يحد من الملاحة أن يؤثر في إنتاج الكهرباء كذلك. فالأنهار توفر مياه التبريد لبعض المحطات الحرارية والنووية، كما يؤدي انخفاض تدفقها إلى تقليص إنتاج الطاقة الكهرومائية. وقد يزيد ذلك الضغط على الشبكة ويرفع تكلفة الكهرباء البديلة، مع اختلاف الأثر من دولة إلى أخرى بحسب الواردات وتوافر الغاز ومصادر التوليد الأخرى.
وقد ظهرت هذه القابلية للتأثر بالفعل. إذ بدأت شركة «نيوكليرإليكتريكا» الرومانية فصل مفاعلها الوحيد العامل عن الشبكة بسبب انخفاض مستوى الدانوب إلى حد قياسي، بما هدد المياه اللازمة لتبريد المعدات، وفقاً لشبكة CNN. كما تحدثت تقارير عن خفض إنتاج محطات نووية في فرنسا والمجر بسبب انخفاض منسوب الأنهار وارتفاع درجات الحرارة، لكن الحجم الدقيق لهذه التخفيضات يظل مرتبطاً ببيانات كل محطة والبيانات الرسمية.
ترفع الحرارة مخاطر التعرض الحراري، خصوصاً لدى كبار السن والعاملين في الهواء الطلق والأشخاص المصابين بأمراض القلب أو الجهاز التنفسي. ويزيد الجفاف الضغوط بتجفيف الغطاء النباتي، وتهيئة ظروف أسوأ لاندلاع الحرائق، ورفع التعرض للدخان.
وأفاد الرصد الأوروبي باندلاع حرائق غابات استثنائية بالتزامن مع تدهور الجفاف، مع وقوع 50% من أراضي الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة تحت مستوى من مستويات الجفاف في يوليو.
ولا يوجد حتى الآن في المواد المتاحة تقدير موحد وموثوق للوفيات الزائدة خلال موسم 2026. لذلك، الأدق هو القول إن العبء الصحي يتفاقم، من دون نسب حصيلة نهائية للوفيات إلى هذا الموسم قبل توافر البيانات اللازمة.
يكشف هذا الصيف نقاط ضعف قائمة بالفعل. وتقدّر الوكالة الأوروبية للبيئة أن الإجهاد المائي يؤثر سنوياً في نحو 30% من مساحة أوروبا و34% من سكانها، ولا سيما في جنوب القارة والمناطق المكتظة بالسكان.
وتختلف التوقعات بعيدة المدى تبعاً للانبعاثات والأمطار واستخدام المياه وقدرة المجتمعات على التكيف. لكن الأدلة المتاحة تدعم خلاصة عامة لا توقعاً رقمياً واحداً: فمن دون خفض الانبعاثات وتعزيز التكيف، ستصبح خسائر الجفاف أكثر تكراراً وكلفة. وتقدّر دراسة للمركز المشترك للبحوث التابع للمفوضية الأوروبية أن تتجاوز آثار الجفاف 65 مليار يورو سنوياً بحلول عام 2100 إذا غابت إجراءات فعالة للتخفيف والتكيف.
يتجاوز الرد العملي مرحلة شراء الإمدادات بصورة طارئة. وتركز الزراعة القادرة على الصمود أمام تغير المناخ على الحفاظ على جدوى المزارع الاقتصادية، مع تقليل الاعتماد على المدخلات الهشة واستعادة وظائف التربة والمياه والنظم البيئية. وتصف الوكالة الأوروبية للبيئة هذا النهج بأنه استراتيجية اقتصادية لتحقيق استقرار دخل المزارعين وإنتاج الغذاء في ظل تصاعد المخاطر المناخية.
وبالنسبة إلى شركات الأغذية، قد تشمل الإجراءات التعاون مع المزارعين لتحسين إدارة التربة والمياه، وتنويع مناطق التوريد، ورفع كفاءة استخدام المياه، ودعم محاصيل أو أنظمة إنتاج أكثر ملاءمة للظروف الأشد حرارة وجفافاً. وتصف شركة نستله، على سبيل المثال، الزراعة التجديدية بأنها نهج يهدف إلى الحفاظ على التربة والمياه والتنوع الحيوي واستعادتها، مع دعم سبل عيش المزارعين.
ولا تستطيع هذه الإجراءات إلغاء آثار موسم متطرف. لكنها قد تقلل احتمال تحول جفاف واحد في الوقت نفسه إلى أزمة دخل للمزارعين، واضطراب في الشحن، ونقص في الكهرباء، وحالة طوارئ صحية عامة.
يكشف حر وجفاف أوروبا في 2026 مدى اعتماد أنظمتها الاقتصادية على المياه. فالضرر ينتشر عبر إنتاجية العمل والمحاصيل وإمدادات الغذاء والخدمات اللوجستية النهرية والإنتاج الصناعي وتوليد الكهرباء والصحة، لا باعتبارها أزمات منفصلة، بل كصدمة مترابطة واحدة.
وهذا يجعل التكيف ضرورة اقتصادية. فمرونة الزراعة، وإدارة المياه بصورة أفضل، وتوفير ظروف عمل آمنة في الحر، وبناء أنظمة كهرباء أكثر مرونة، وتطوير شبكات لوجستية أقل اعتماداً على الأنهار القابلة للملاحة، كلها عوامل ستحدد تكلفة موجة الجفاف المقبلة.