ولهذا لم يقتصر التراجع على شركة واحدة أو نوع واحد من الرقائق. فقد كانت «ميكرون»، المتخصصة في توريد شرائح الذاكرة، من بين أكبر الخاسرين في السوق الأمريكية، كما تراجعت أسهم «إنفيديا» و«برودكوم» مع تقليص المستثمرين انكشافهم على الشركات المرتبطة بالتوسع في الذكاء الاصطناعي.
أبعدت عمليات البيع المؤشرات الأمريكية الرئيسية عن مستوياتها القياسية الأخيرة:
وقادت أسهم أشباه الموصلات الهبوط؛ إذ تراجع سهم ميكرون 7%، وسهم إنفيديا 2.3%، وسهم برودكوم 3.2%، بينما خسر مؤشر فيلادلفيا لأشباه الموصلات أكثر من 5%.
ويعكس الهبوط الأكبر في ناسداك حساسية المؤشر العالية لتقييمات شركات التكنولوجيا. أما داو جونز، الذي يضم تركيزًا أقل على شركات التكنولوجيا سريعة النمو، فتراجع بوتيرة أبطأ.
تؤثر العوائد المرتفعة في أسهم الذكاء الاصطناعي عبر قناتين رئيسيتين.
أولًا، ترفع العوائد معدل الخصم الذي يستخدمه المستثمرون لتقييم الأرباح المستقبلية. فالتدفقات النقدية المتوقعة بعد سنوات تصبح أقل قيمة عندما تمنح السندات الحكومية الأقل مخاطرة عوائد أعلى. ويضغط ذلك خصوصًا على الشركات التي تعتمد تقييماتها على تحقيق نمو قوي في المستقبل البعيد.
ثانيًا، تزيد العوائد المرتفعة تكلفة الاقتراض. وتتطلب بنية الذكاء الاصطناعي استثمارات أولية ضخمة، وقد تحتاج الشركات التي تبني مراكز البيانات أو توسع قدراتها الحاسوبية إلى تمويل مستمر من أسواق الدين ورأس المال. وعندما يصبح التمويل أكثر تكلفة، قد تنخفض العوائد المتوقعة للمشروعات، ويصبح المستثمرون أقل استعدادًا لدفع أسعار مرتفعة مقابل نمو مستقبلي.
ولا يقتصر الضغط على شركات التكنولوجيا. فقد دفعت العوائد المرتفعة متوسط فائدة الرهن العقاري الأمريكي طويل الأجل إلى الاقتراب من أعلى مستوياته خلال العام، ما عزز المخاوف من أن تؤدي تكاليف الاقتراض إلى إبطاء النشاط الاقتصادي.
كما أظهرت مؤشرات الإسكان ضعفًا في معنويات القطاع؛ فقد تراجع مؤشر سوق الإسكان التابع للرابطة الوطنية لبناة المنازل و«ويلز فارغو» إلى 25 في أغسطس، من 34 في يوليو، مخالفًا التوقعات.
تزامنت مخاوف أسعار الفائدة مع تصاعد التوترات الجيوسياسية. وأدى تراجع الآمال في التوصل سريعًا إلى حل للصراع مع إيران إلى دفع أسعار النفط نحو الارتفاع، وفق التقارير المرتبطة بتراجع الأسواق. ويمكن لارتفاع النفط أن يزيد توقعات التضخم، ما قد يبقي أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول ويرفع تكاليف التمويل أكثر.
وهذا وضع صعب بوجه خاص لأسهم التكنولوجيا ذات التقييمات المرتفعة: فالمستثمرون يواجهون من جهة معدل عائد أعلى يجب أن تحققه الأرباح المستقبلية، ومن جهة أخرى قدرًا أكبر من عدم اليقين بشأن تكلفة بناء البنية التحتية اللازمة لتحقيق تلك الأرباح.
انتقلت موجة الهبوط عبر سلسلة إمداد أشباه الموصلات العالمية، وضربت أسواق التكنولوجيا الآسيوية بقوة. فقد تراجع مؤشر كوسبي في كوريا الجنوبية 5.2%، وانخفض سهم سامسونغ إلكترونيكس 6.9% وسهم SK Hynix بنسبة 7.9%. كما هبط مؤشر نيكاي 225 الياباني 2.6%، وخسر هانغ سنغ في هونغ كونغ 0.4%، بينما تراجع مؤشر شنغهاي المركب 1.5%.
كانت كوريا الجنوبية معرضة بشكل خاص لأن سوقها يضم وزنًا كبيرًا لشركات شرائح الذاكرة التي استفادت من توقعات الطلب المدفوع بالذكاء الاصطناعي. وعندما بدأ المستثمرون يشككون في استدامة هذا الطلب أو في العوائد التي يمكن تحقيقها من الإنفاق على البنية التحتية، أصبحت شركات الذاكرة هدفًا طبيعيًا لعمليات البيع.
لا تثبت هذه التحركات وحدها أن الطلب على الذكاء الاصطناعي انهار أو أن دورة الاستثمار طويلة الأجل في القطاع انتهت. فالمصادر تتحدث عن إعادة تقييم للتقييمات والإنفاق ومخاطر التمويل، لا عن فشل نهائي للتكنولوجيا أو تلاشي الطلب عليها.
لكن الرسالة الأكثر إلحاحًا هي أن المستثمرين يريدون أدلة أقوى على أن الإنفاق على الذكاء الاصطناعي سيتحول إلى إيرادات مستدامة ومربحة. وإلى أن تعود هذه الثقة، قد تظل الشركات المرتبطة بطفرة البنية التحتية للذكاء الاصطناعي شديدة الحساسية لعوائد سندات الخزانة، وأسعار النفط، وخطط الإنفاق الرأسمالي، وأي مؤشرات على أن مكاسب القطاع السابقة ارتفعت أكثر من اللازم وفي وقت قصير.