وهذا التفريق أساسي عند تقييم تقدم الصين. فالروبوت الذي يقدم عرضاً لافتاً على منصة مضبوطة قد يكون بعيداً جداً عن آلة تستطيع العمل بصورة متواصلة في مستودع أو مصنع أو متجر أو منزل.
قد تكمن أقوى نقاط الصين في قدرتها على وصل البحث العلمي بالتصنيع والتطبيق. فالبلاد تملك قاعدة كبيرة من شركات الروبوتات واقتصاداً صناعياً كثيفاً يمكن فيه اختبار الآلات الجديدة وتعديلها وإنتاجها على نطاق واسع. كما وصفت تقارير الشركات الصينية بأنها مسؤولة عن الغالبية الساحقة من شحنات الروبوتات الشبيهة بالبشر عالمياً، مع اختلاف التقديرات باختلاف المصدر والمنهجية.
ويشكل الدعم الحكومي جزءاً آخر من الاستراتيجية. فقد ذكرت «رويترز» أن السلطات الصينية خصصت ما لا يقل عن 20 مليار دولار في صورة إعانات لتطوير الروبوتات الشبيهة بالبشر منذ عام 2024. وقال التقرير نفسه إن الصين باعت نحو 12 ألف روبوت شبيه بالبشر فقط في العام السابق، ذهب معظمها إلى البحث والتعليم والاختبار، لا إلى التطبيقات التجارية أو الصناعية.
وتلخص هاتان المعلومتان الفرصة والمخاطرة معاً. فالاستثمار العام يمكن أن يساعد الشركات على خفض التكاليف، وتوسيع الإنتاج، وجمع بيانات تشغيلية قيّمة. لكنه قد يشجع أيضاً عدداً كبيراً من الشركات على بناء طاقات إنتاجية قبل إثبات حجم الطلب وربحية النشاط.
تدفع استراتيجية الصين في مجال الروبوتات إلى مقارنتها بصناعة السيارات الكهربائية: دعم المؤسسات العامة، ومنافسة شرسة بين المصنّعين، وتطوير سريع للمنتجات، ومحاولة بناء سلسلة توريد متكاملة من البداية إلى النهاية.
وتفيد المقارنة لأن الروبوتات تعتمد أيضاً على تكلفة المعدات، وتوافر المكونات، والخبرة التصنيعية، وقاعدة واسعة من المستخدمين المحتملين. لكنها تظل محدودة، لأن مشكلة تسويق الروبوتات الشبيهة بالبشر أكثر تعقيداً. فالسيارة الكهربائية تؤدي وظيفة محددة نسبياً، بينما يتعين على الروبوت متعدد الاستخدامات أن يفهم محيطه، ويتعامل مع أجسام متنوعة، ويتكيف مع مهام جديدة، ويظل آمناً بالقرب من البشر.
لذلك فإن توسيع الإنتاج ضروري للروبوتات، لكنه غير كافٍ. وعلى الشركات أن تثبت أن كل وحدة إضافية تنتج قيمة اقتصادية قابلة للقياس، لا أن تزيد فقط عدد النماذج الأولية المثيرة للإعجاب.
ارتفعت stakes الجيوسياسية في أواخر يوليو، عندما أضافت هيئة الاتصالات الفيدرالية الأميركية نماذج جديدة من الروبوتات الشبيهة بالبشر والروبوتات رباعية الأرجل المصنّعة في الخارج إلى قائمة القيود، مستندة إلى مخاوف تتعلق بالأمن السيبراني والأمن القومي. وتستهدف القواعد النماذج الجديدة التي لم تحصل بعد على تصريح للبيع في الولايات المتحدة، ولا تعني سحب النماذج المستخدمة بالفعل.
ويُعتقد على نطاق واسع أن الشركات الصينية ستتأثر بالقرار أكثر من غيرها، لأن الصين مصدر رئيسي للروبوتات الشبيهة بالبشر والروبوتات رباعية الأرجل. وقال مسؤولون أميركيون إن القيود تهدف إلى معالجة مخاطر أمنية وتشجيع الإنتاج المحلي في الوقت نفسه.
ويغير ذلك المشهد التجاري. فالشركات الصينية تواجه طريقاً أضيق إلى السوق الأميركية، بينما يتعامل صانعو السياسات في واشنطن مع الروبوتات المتقدمة بوصفها تكنولوجيا استراتيجية، لا مجرد معدات مستوردة عادية. وهكذا حمل مؤتمر بكين رسالتين في وقت واحد: الصين تريد توسيع الصناعة، وواشنطن لا تريد أن يتحول هذا التوسع إلى مصدر اعتماد.
قدرت مورغان ستانلي أن سوق الروبوتات الشبيهة بالبشر قد تصل إلى 5 تريليونات دولار بحلول عام 2050، بالتزامن مع استخدام أكثر من مليار روبوت شبيه بالبشر حول العالم. كما تضع تقديراتها الصين بين الدول التي قد تمتلك أكبر قاعدة من هذه الروبوتات.
لكن هذه أرقام لسيناريو محتمل، وليست حقيقة عن السوق الحالية. فالمبيعات ما زالت محدودة، والاستخدام البحثي كثيف، والأسئلة المتعلقة بالموثوقية والتكلفة لم تُحسم بعد؛ ما يوضح حجم الخطوات المطلوبة قبل أن يصبح هذا التوقع قابلاً للتصديق.
والخلاصة الأهم من مؤتمر بكين ليست أن الصين حسمت سباق الروبوتات، ولا أن العروض مجرد ضجيج إعلامي. فالصين تبني بالفعل الظروف الصناعية والمالية اللازمة لقيام قطاع روبوتات كبير، وقد تكون في موقع استثنائي لتصنيع الآلات وتطويرها على نطاق واسع.
لكن السؤال الحاسم هو: هل تستطيع هذه المزايا إنتاج روبوتات تستطيع الشركات تحمل تكلفتها، والثقة بها، وتشغيلها كل يوم؟