وتقوم فكرة النقل من سفينة إلى سفينة، أو STS، على استخدام ناقلات أصغر لنقل الخام من منطقة التحميل أو عبر الجزء الأخطر من المسار، ثم تفريغه في ناقلات أكبر خارج منطقة الخطر. وبذلك يمكن تقليل تعرض الناقلة العملاقة للعبور الكامل من الخليج، لكن العملية لا تلغي المخاطر؛ فهي تتطلب سفناً وطاقماً وتأميناً وتنسيقاً لوجستياً في منطقة بحرية مضطربة.
تشبه مناورة أرامكو نموذجاً تستخدمه شركة بترول أبوظبي الوطنية «أدنوك»، إذ تنقل ناقلات أصغر الخام عبر مضيق هرمز أو حول مناطق الخطر، ثم تنقله إلى ناقلات تصدير أكبر في الخارج. وتشير التقارير إلى أن عملية «أدنوك» نقلت أكثر من 100 مليون برميل، وأصبحت أكثر نضجاً وتنظيماً. أما ترتيب أرامكو فيبدو حتى الآن إجراءً احتياطياً انتقائياً وحديثاً، وليس بديلاً كاملاً عن الصادرات المعتادة من رأس تنورة.
في بداية الاضطرابات، حولت السعودية كميات كبيرة من الخام غرباً عبر المملكة بواسطة خط أنابيب الشرق-الغرب إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر. لكن وصول الناقلات إلى آسيا من ينبع يتطلب مواصلة الإبحار في البحر الأحمر، ثم الاقتراب من منطقة باب المندب قبالة اليمن. ومع تصاعد تهديدات الحوثيين، اضطرت ناقلات محملة بالنفط السعودي إلى تغيير مسارها أو العودة، فيما أصبح العثور على سفن مستعدة للإبحار في المنطقة أكثر صعوبة.
كما أظهرت تقارير حديثة أن تحميلات الخام من ينبع جرت من دون تشغيل إشارات نظام التعرف الآلي، المعروف اختصاراً بـ AIS، ما جعل حركة الصادرات أقل وضوحاً أمام شركات التتبع والمتعاملين في السوق. ولا يعني ذلك توقف التدفقات، لكنه يعكس ارتفاع مستوى الحذر والسرية التشغيلية.
ولجأت السعودية أيضاً إلى زيادة التدفقات عبر خط يصل إلى الساحل المتوسطي في مصر، حيث ارتفعت صادرات النفط من ميناء سيدي كرير إلى نحو 2.3 مليون برميل يومياً في أغسطس، مقارنة بنحو مليون برميل يومياً في الشهر السابق، وفق البيانات الواردة في التقارير. غير أن المسار المتوسطي قد يضيف ما بين 20 و25 يوماً إلى الرحلات مقارنة بالعبور عبر باب المندب، ما يزيد الزمن والتكلفة.
مع تدهور خيار البحر الأحمر، عادت أرامكو إلى تحميل النفط من منشآت تقع داخل نطاق مضيق هرمز. ورُصدت ناقلات عملاقة جداً، قادرة على تحميل نحو مليوني برميل، قرب رأس تنورة ومجمع التصدير في الجُعيمة، مع وجود ناقلات إضافية تنتظر التحميل.
وتشير هذه الحركة إلى أن أرامكو تعيد بعض الصادرات إلى مسار الخليج، حتى لو كان ذلك يعني تعريض السفن لمخاطر العبور في هرمز. كما تعاملت الشركة مع بعض مخصصات الخام الآسيوية لشحنات سبتمبر على أساس استثنائي وغير منتظم، بدلاً من جدول التوريد المعتاد.
أما في الهند، فتدعم التقارير وجود ضغوط على موثوقية التسليم وتنافسية الخام السعودي، بما في ذلك مطالبة بعض المصافي الهندية بخصومات على الشحنات المحملة من سيدي كرير. لكن الأدلة المتاحة لا تكفي لتحديد مقدار التغير الدقيق في حصة أرامكو من السوق الهندية.
تساعد الرحلات المكوكية غير المعلنة، وإعادة توجيه الشحنات، واستئناف بعض التحميلات من الخليج، في منع حدوث نقص فعلي أشد حدة؛ ولذلك خففت من السيناريوهات الأكثر تشاؤماً بشأن قفزات أسعار النفط والتضخم. لكن هذه العمليات لم تستعد أمن الإمدادات المعتاد. وقالت أرامكو إن الاضطراب أخرج أكثر من 2.6 مليار برميل من السوق العالمية منذ فبراير، مع تراجع المخزونات.
وعلى مستوى السوق، تراجع عبور السفن في مضيق هرمز وباب المندب بشكل كبير في بعض الفترات. وأظهرت بيانات الشحن أن سفينتين تجاريتين فقط عبرتا هرمز في أحد أيام أغسطس، بينما عبرت سفينة بضائع واحدة باب المندب في اليوم نفسه. وتوضح هذه الأرقام كيف يمكن لمخاطر أمنية محدودة جغرافياً أن تؤثر في شبكة واسعة من صادرات الطاقة.
خفضت أرامكو السعر الرسمي لبيع خام العربي الخفيف إلى آسيا لشحنات سبتمبر إلى دولارين للبرميل دون متوسط خامَي عُمان ودبي، وهو أدنى مستوى في ست سنوات وفق التقارير. لكن السعر الرسمي للبيع، أو OSP، يمثل فارقاً سعرياً يضاف إلى مؤشر مرجعي؛ ولا يشمل كامل تكلفة وصول الشحنة إلى المصفاة.
فالمشترون ما زالوا يواجهون:
ولهذا قد يكون خام أرامكو أرخص على الورق، لكن تكلفته النهائية بعد وصوله إلى المصفاة تظل مرتفعة. كما أن بعض درجات الخام المتوسط والثقيل التي تُحمّل عادة من الخليج تصبح أسعارها النظرية أقل أهمية ما دامت ظروف الشحن غير مستقرة.
يمثل خط أنابيب الإمارات إلى الفجيرة مخرجاً جغرافياً يتجاوز مضيق هرمز، لكنه لا يستطيع نقل كامل صادرات الإمارات من الخام. لذلك تظل «أدنوك» بحاجة إلى ناقلات مكوكية وتحويلات بحرية في الخارج. وتعمل الشركة على توسيع طاقة خط بديل آخر، لكن إنشاء قدرة جديدة لا يحل فوراً مشكلة السفن والتأمين والمخاطر الأمنية.
أما نظام «بترو لاين»، أو خط أنابيب الشرق-الغرب السعودي، فيستطيع نقل الخام إلى ينبع، لكن الإغاثة التي يوفرها محدودة فعلياً بطاقة الخط ومحطات التحميل وعدد السفن المتاحة، فضلاً عن تهديدات الحوثيين عند الخروج من البحر الأحمر. وبلغت أحجام ينبع قرابة مليوني برميل يومياً خلال المرحلة الأولى من التحويل، مقارنة بنحو 5 إلى 6 ملايين برميل يومياً كان يتعين إعادة توجيهها بعيداً عن هرمز.
وبحسب تقديرات أخرى، يمكن للخط نظرياً نقل ما يصل إلى نحو 5 ملايين برميل يومياً إلى ساحل البحر الأحمر، بينما تتجاوز الطاقة الاسمية لمحطات ينبع 4.5 ملايين برميل يومياً، إلا أن التحميل الفعلي نادراً ما يتجاوز 2.5 مليون برميل يومياً وفق متعاملين. وتكشف الفجوة بين الطاقة النظرية والاستخدام الفعلي أن خطوط الأنابيب وحدها لا تكفي؛ إذ يجب أن تتوافر المحطات والناقلات والمسارات البحرية الآمنة في الوقت نفسه.
تملك المنطقة الآن مجموعة من الحلول الجزئية، لا بديلاً آمناً ومتكاملاً عن مسارات التصدير المعتادة. فقد أصبحت إمدادات النفط أكثر تشتتاً، وحركة الناقلات أقل شفافية بسبب إيقاف إشارات AIS، فيما تواجه السفن والأطقم وشركات التأمين والمنشآت الساحلية مخاطر تشغيلية أكبر.
وقد تستفيد شركات الإنتاج من ارتفاع أسعار الخام؛ إذ أعلنت أرامكو زيادة كبيرة في أرباحها خلال فترة الاضطراب. لكن هذا المكسب يقابله تقييد في أحجام التصدير، وارتفاع تكاليف الخدمات اللوجستية، والحاجة إلى تقديم خصومات للحفاظ على المشترين، فضلاً عن احتمال اتجاه المصافي إلى تنويع مورديها.
وبالتالي، لا تتمثل استراتيجية أرامكو في إيجاد طريق واحد جديد، بل في توزيع المخاطر بين الخليج والبحر الأحمر والبحر المتوسط والتحويلات البحرية. وقد تكفي هذه المناورة لإبقاء بعض البراميل في السوق، لكنها لا تزيل هشاشة الإمدادات أو الكلفة الإضافية التي يدفعها المشترون الآسيويون.