اجتمعت ثلاثة عوامل رئيسية لدفع العوائد صعودًا في أغسطس 2026:
مخاوف التضخم المدفوع بالطاقة. أدت الزيادة الحادة في أسعار النفط، المرتبطة بتوسع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وتداعياتها، إلى رفع توقعات التضخم ودفع الأسواق إلى توقع المزيد من رفع أسعار الفائدة من قبل البنك المركزي الأوروبي. في أواخر يوليو 2026، ارتفعت عوائد السندات الألمانية لأجل 10 سنوات بشكل حاد بعد قفزة في أسعار النفط، حتى مع إبقاء البنك المركزي الأوروبي على أسعار الفائدة دون تغيير . وأظهر استطلاع للرأي أجرته رويترز في 13 أغسطس 2026 أن 83% من الاقتصاديين يتوقعون رفعًا إضافيًا للفائدة في سبتمبر .
علاوة المخاطر الجيوسياسية. استمرار الصراع في الشرق الأوسط أبقى علاوات المخاطر مرتفعة، مما دفع عوائد السندات الأوروبية للارتفاع على نطاق واسع خلال ربيع وصيف 2026 . وحتى بعد وقف إطلاق النار، بقيت العوائد أعلى بكثير مما كانت عليه قبل بدء النزاع .
عرض ضخم للسندات الفرنسية. أدى طرح كبير للسندات الحكومية الفرنسية (OATs) في أوائل أغسطس إلى ضغوط تصاعدية إضافية على العوائد الفرنسية. وأشار راينر جونترمان، الخبير الاستراتيجي في كومرتس بنك، إلى أن "التنازلات المتعلقة بالعرض ربما لعبت دورًا" في اتساع الفارق مع السندات الألمانية .
لا تزال نسب الدين الحكومي في منطقة اليورو مرتفعة، وتعمل تكاليف التمويل المرتفعة على تقليص هامش المناورة المالي للحكومات بشكل كبير . وقد خلص البنك المركزي الأوروبي نفسه إلى أن "آفاق الدين لحكومات منطقة اليورو أصبحت أقل ملاءمة الآن، حيث أن ارتفاع تكاليف التمويل يترك للحكومات هامش مناورة أقل مما قد يوحي به حجم الدين وحده" . في فرنسا، أدت الأزمات السياسية المتكررة - بما في ذلك عدة تصويتات على حجب الثقة، وخفض التصنيف الائتماني من قبل وكالة فيتش (إلى A+) ومورنينغستار دي بي آر إس - إلى إبقاء علاوة مخاطر مرتفعة على الديون الفرنسية
. وقد تم الإشارة إلى مخاطر الميزانية الفرنسية وعدم القدرة على تشكيل حكومة مستقرة بخطة تقشف ذات مصداقية كنقاط ضعف مستمرة
.
هناك موجة هيكلية من إصدارات الديون السيادية في جميع الاقتصادات المتقدمة. إن "العرض الهائل من السندات الناتج عن العجز المرتفع باستمرار" يقلل الطلب ويتطلب عوائد أعلى لجذب المستثمرين . وحذر محللو بنك أي إن جي من أن العوائد قد تحتاج إلى الارتفاع أكثر لاستيعاب العرض القياسي الوارد
. في منطقة اليورو، كان من المتوقع أن يكون صافي عرض السندات السيادية لعام 2026 الأكبر على الإطلاق، مع إصدارات إجمالية تقترب من 1.4 تريليون يورو . كما أن استمرار البنك المركزي الأوروبي في سياسة التشديد الكمي (التخلص من السندات) يضاعف هذه الآثار المتعلقة بالعرض .
يلاحظ البنك المركزي الأوروبي ومجموعة بورصة لندن (LSEG) انحدارًا كبيرًا في أقصى نهاية منحنى العائد (فارق 30 عامًا ناقص 10 سنوات) في منطقة اليورو، مدفوعًا بزيادة في علاوات الأجل الحقيقية، خاصة على السندات الفرنسية المرتبطة بالتضخم . لقد "تجاوزت الأسواق" التركيز على أسعار الفائدة قصيرة الأجل للبنك المركزي الأوروبي وأصبحت بدلاً من ذلك تعيد تسعير الديون طويلة الأجل بناءً على المخاطر المالية وديناميكيات العرض
. وقدرت أكسفورد إيكونوميكس علاوة الأجل على سندات البوند الألمانية لأجل 10 سنوات بحوالي 1.1% .
تعاني فرنسا من أزمة سياسية طويلة الأمد منذ منتصف عام 2024، مع سقوط حكومات متعددة أو مواجهتها لتصويتات على حجب الثقة. وقد أدى ذلك إلى كسر التقارب التاريخي بين عوائد السندات الفرنسية والألمانية وإبقاء الفارق أوسع من الناحية الهيكلية . وأشارت شركة روبيكو للاستثمارات إلى أن الفارق الفرنسي قد تداول في بعض الأحيان فوق الفارق الإيطالي، وهو انفصال غير معتاد يشير إلى قلق عميق في السوق بشأن الحوكمة المالية الفرنسية
. كما ارتفع عائد السندات الفرنسية لأجل 30 عامًا إلى أعلى مستوى له منذ عام 2009
.
تساهم ثلاث قوى هيكلية على جانب الطلب أيضًا في ارتفاع العوائد طويلة الأجل، كما حددها المنتدى الرسمي للنقد والمؤسسات المالية (OMFIF): أولاً، زيادة الإصدارات السيادية لتمويل السياسة المالية التوسعية والاستثمار الدفاعي؛ ثانيًا، انتقال نظام المعاشات التقاعدية الهولندي من نظام المزايا المحددة إلى نظام المساهمات المحددة، مما يقلل من مصدر الطلب الطبيعي على السندات الأوروبية طويلة الأجل؛ وثالثًا، استمرار التشديد الكمي من قبل البنك المركزي الأوروبي . وأشار دويتشه بنك إلى أن الانخفاض المستمر في ميزانية البنك المركزي ساهم في ارتفاع مستدام في علاوات الأجل .
العوائد المرتفعة على الديون طويلة الأجل ترفع مباشرة تكاليف التمويل للحكومات. بالنسبة لفرنسا، فإن عوائد السندات لأجل 10 سنوات فوق 4% تعني خدمة ديون أكثر تكلفة بكثير على مخزونها الكبير القائم . وأشار البنك المركزي الأوروبي إلى أن تكلفة إعادة تمويل الديون قد زادت بشكل ملموس، وأن الحيز المالي الذي كان موجودًا في عام 2022 قد استُنفد إلى حد كبير . وقد باعت بريطانيا مبلغًا قياسيًا من السندات الحكومية لأجل 10 سنوات بأعلى عائد منذ عام 2008 في أبريل 2026، مما يوضح الاتجاه الأوسع عبر الاقتصادات المتقدمة .
رفع البنك المركزي الأوروبي سعر الفائدة على الودائع بمقدار 25 نقطة أساس إلى 2.25% في 11 يونيو 2026، وهي أول زيادة له منذ عام، وذلك استجابة للتضخم المستمر المدفوع بأسعار الطاقة . ثم أبقى على أسعار الفائدة دون تغيير في 23 يوليو، لكنه أبقى الباب مفتوحًا لمزيد من التشديد . وتتوقع الأسواق زيادة أخرى في سبتمبر 2026 قبل فترة توقف طويلة . وبالتالي، فإن السياسة النقدية للبنك المركزي الأوروبي تتجه نحو التشديد، استجابة لصدمات أسعار الطاقة من جانب العرض وليس لارتفاع الطلب المحلي .
بدأت ظروف تمويل الشركات في منطقة اليورو في التشديد في عام 2026. وأفاد تقرير الاستقرار المالي للبنك المركزي الأوروبي لشهر مايو 2026 أن البنوك قد شددت معايير الائتمان وأن الإقراض الجديد للشركات غير المالية قد ضعف . وبلغت أسعار فائدة البنوك على القروض للشركات 3.6% في بداية عام 2026 . وقد انعكست بيئة العوائد المرتفعة على الديون طويلة الأجل على عوائد سندات الشركات المرتفعة وشددت الظروف المالية للشركات التي تسعى للحصول على ديون من الأسواق .
الارتفاع المستمر في العوائد الفرنسية مقارنة بالسندات الألمانية هو في حد ذاته إشارة سياسية: الأسواق تعاقب فرنسا على عدم قدرتها على تقديم خطة إصلاح مالي ذات مصداقية في ظل برلمان منقسم . وهذا يخلق حلقة مفرغة - فتكاليف الاقتراض المرتفعة تجعل خفض العجز أكثر صعوبة، مما يبقي الفارق واسعًا. الأزمة السياسية في فرنسا أصبحت الآن عاملاً هيكليًا في تسعير سندات منطقة اليورو، وليس مجرد حدث قصير الأجل
. اتسع الفارق بشكل حاد في أواخر أغسطس 2025 عندما دعا رئيس الوزراء فرانسوا بايرو إلى تصويت بحجب الثقة، حيث انتقل من 65 نقطة أساس إلى 82 نقطة أساس
. بحلول أكتوبر 2025، بلغ الفارق حوالي 86 نقطة أساس بعد استقالة رئيس وزراء آخر
.