تسارعت وتيرة الإنفاق إلى مستويات يصعب تجاهلها:
وتعني هذه الأرقام أن طفرة الذكاء الاصطناعي لم تعد مجرد استثمار في البرمجيات؛ بل تحولت إلى دورة إنفاق صناعية واسعة تشمل الأرض والطاقة ومراكز البيانات والرقائق.
وجد تحقيق أجرته Nikkei Asia في إفصاحات الشركات المقدمة إلى هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية أن ألفابت وأمازون ومايكروسوفت وميتا وأوراكل تحمل مجتمعةً 1.65 تريليون دولار من الالتزامات خارج الميزانية، ترتبط أساسًا بإيجارات مراكز البيانات وتعهدات شراء طويلة الأجل .
وتتضمن هذه الالتزامات عقودًا مستقبلية لاستئجار منشآت أو شراء خوادم وشرائح ومعدات بنية تحتية. وهي ليست «ديونًا مخفية» بالمعنى الذي يوحي بإخفاء غير قانوني؛ إذ تظهر عادةً في الحواشي المرفقة بالقوائم المالية، وتظل قانونية بموجب قواعد المحاسبة الأميركية الحالية لأنها تمثل التزامات تعاقدية مستقبلية لم تُسجّل بعد كخصوم في الميزانية .
أبرز المؤشرات:
بالنسبة إلى المستثمر، تكمن المشكلة في أن النظر إلى بند الديون المعلنة وحده قد لا يعكس كامل الالتزامات التي ستتطلب مدفوعات نقدية مستقبلية.
تُرسمل معظم النفقات على مراكز البيانات والخوادم بدل تحميلها بالكامل على أرباح العام الذي دُفعت فيه. ثم تُوزّع التكلفة على العمر الافتراضي للأصل، ما يخلق فجوة زمنية بين خروج النقد وظهور المصروف في قائمة الدخل.
وتشير البيانات إلى ما يلي:
وبصياغة مبسطة: المال خرج بالفعل، لكن أثره المحاسبي لم يظهر كاملًا بعد.
لا تعني فجوة الإهلاك تلقائيًا أن الاستثمار فاشل. فقد أفادت Bloomberg بأن مبيعات الذكاء الاصطناعي عالميًا، باستثناء الصين، بلغت 25 مليار دولار في الربع الأول من 2026، متجاوزةً تكاليف الإهلاك المقدرة في القطاع، والبالغة نحو 21 مليار دولار، للربع الثاني على التوالي .
تدعم هذه المقارنة رواية الشركات القائلة إن الطلب على القدرة الحوسبية ما زال يتجاوز المعروض، وإن مرحلة التوسع قد تستمر حتى 2027 على الأقل . كما وجهت مايكروسوفت إلى تحقيق تدفق نقدي حر إيجابي في سنتها المالية 2027، بعد تجاوز إيرادات Azure السنوية 100 مليار دولار .
لكن المقارنة بين مبيعات القطاع وتكاليف الإهلاك لا تكفي وحدها لإثبات تحقيق عائد مرتفع؛ فالشركات ما زالت تتحمل تكاليف الطاقة والتشغيل والتمويل، فضلًا عن الالتزامات المستقبلية.
بدأت آثار السباق تظهر في مؤشرات السيولة وتوقعات السوق:
وتشير هذه الصورة إلى مفارقة واضحة: الشركات ما زالت تتوقع طلبًا قويًا، لكن المستثمرين بدأوا يتساءلون عما إذا كانت وتيرة الإنفاق الحالية قابلة للاستمرار، وما إذا كانت الإيرادات ستنمو بالسرعة اللازمة لاستيعابها.
يرى المتفائلون أن إيرادات الذكاء الاصطناعي تجاوزت تكاليف الإهلاك للربع الثاني على التوالي . كما تستفيد الشركات من مواقعها القوية في الإعلانات والتجارة الإلكترونية والحوسبة السحابية، ما يمنحها مصادر إيرادات قائمة لتمويل التوسع. ويشير أداء Azure إلى أن الطلب المؤسسي على خدمات الذكاء الاصطناعي قد يتحول تدريجيًا إلى تدفقات نقدية ملموسة .
يرى المتشككون أن جدار الإهلاك لم يبلغ ذروته بعد. فالنفقات الرأسمالية الحالية ستتحول إلى مصروفات على قائمة الدخل خلال الأعوام المقبلة، وقد تضغط التكاليف المؤجلة البالغة 549 مليار دولار على الأرباح حتى لو لم تنمو إيرادات الذكاء الاصطناعي بالسرعة المتوقعة .
كما أن الالتزامات خارج الميزانية البالغة 1.65 تريليون دولار تعني أن إجمالي التعهدات المالية أكبر بكثير من رقم الديون المعلن . ومع اقتراب التدفق النقدي الحر من الصفر، تصبح مساحة المناورة المالية أضيق إذا تباطأ الطلب أو انخفضت الأسعار أو تأخر العملاء في تبني الخدمات الجديدة .
لا تزال معظم شركات الوساطة متفائلة بشأن الذكاء الاصطناعي، لكن عددًا متزايدًا من المستثمرين يستعد لتباطؤ نمو الإنفاق . وستكون المسألة الأساسية خلال السنوات المقبلة أقل ارتباطًا بحجم مراكز البيانات التي تبنيها هذه الشركات، وأكثر ارتباطًا بقدرتها على تحويل تلك الأصول إلى إيرادات وهوامش وتدفقات نقدية.
إذا أنتج الإنفاق التراكمي البالغ 5.3 تريليون دولار عوائد متناسبة، فقد يُنظر إلى هذه المرحلة باعتبارها استثمارًا تاريخيًا في منصة تقنية جديدة . أما إذا تباطأت الإيرادات قبل اكتمال دورة الإهلاك وسداد الالتزامات التعاقدية، فقد يكتشف المستثمرون أن تكلفة سباق الذكاء الاصطناعي ستظهر في الأرباح بعد وقت طويل من احتفال الأسواق بالنمو الأولي.