ويُعد تقدير خروج 2.5 مليون برميل يومياً من طاقة التكرير الروسية رقماً إجمالياً معقولاً عند النظر إلى سلسلة الهجمات المتراكمة. ففي مطلع 2025، تضررت نسبة تقارب 10% من الطاقة الروسية، ثم أوقفت هجمات في موجة واحدة خلال سبتمبر منشآت كانت تعالج نحو 1.1 مليون برميل يومياً . وبحلول منتصف 2026، أصبح الضرر التراكمي أكبر بكثير.
الديزل هو «في قلب» أزمة الإمدادات الحالية، وفق توصيف غولدمان ساكس. فقد هبط نشاط المصافي العالمية إلى أدنى مستوى موسمي منذ جائحة 2020، بينما ظلت مخزونات المقطرات الوسطى، التي تشمل الديزل وزيت التدفئة، دون متوسطاتها الموسمية . ولم تعوض الزيادة في الإنتاج من الأميركتين وأفريقيا سوى نحو ثلث الإمدادات المفقودة بسبب تعطل المصافي في روسيا والشرق الأوسط .
وتظهر شدة الضغوط في هوامش التكرير، أي الفارق بين سعر المنتج المكرر وسعر الخام المستخدم لإنتاجه. فقد تجاوزت هوامش تكرير الديزل ووقود الطائرات في أوروبا 40 دولاراً للبرميل في أواخر 2025. ووصل فارق الديزل أمام خام برنت المؤرخ إلى 43.64 دولاراً للبرميل في 18 نوفمبر 2025، وهو أعلى مستوى منذ يناير 2023، بينما بلغ فارق وقود الطائرات 41.19 دولاراً للبرميل، وهو الأعلى منذ سبتمبر 2023 .
أما سوق البنزين، فلم تكن بمنأى عن الضغوط. فقد اضطرت مصافٍ في وسط روسيا تمثل نحو 30% من إنتاج البلاد من البنزين إلى وقف الإنتاج أو خفضه بعد هجمات بطائرات مسيّرة في مايو 2026 . ورداً على نقص المعروض المحلي، فرضت موسكو حظراً على صادرات البنزين حتى يوليو 2026، ودرست أيضاً حظر صادرات الديزل للحد من ارتفاع الأسعار في الداخل .
لن تعود كل المصافي المتضررة إلى العمل سريعاً. فمصفاة موسكو التي تعرضت لهجمات بطائرات مسيّرة في يونيو 2026 تحتاج إلى ستة أشهر على الأقل للإصلاح، ومن غير المرجح أن تستأنف الإنتاج خلال عام 2026 . كما أن عدداً من الأعطال غير المخطط لها لا يملك حتى الآن جدولاً زمنياً واضحاً للإصلاح .
ضاعفت أوكرانيا عدد المصافي الروسية المستهدفة خلال الفترة من يناير إلى مايو 2026 مقارنة بالفترة نفسها من 2025؛ إذ تعرضت 16 مصفاة للهجوم مقابل ثماني مصافٍ في العام السابق، وفق حسابات رويترز . وتتوقع وكالة الطاقة الدولية أن تظل الهجمات بالطائرات المسيّرة مؤثرة في معدلات تشغيل المصافي الروسية حتى منتصف 2026 على الأقل، فيما استمرت الحملة والهجمات على منشآت الطاقة .
عادة ما يقفز الطلب على الديزل وزيت التدفئة في الربع الأخير من العام مع دخول نصف الكرة الشمالي فصل الشتاء. وفي الولايات المتحدة، ارتفع الطلب على زيت التدفئة 40% على أساس أسبوعي حتى 14 نوفمبر 2025، بعدما دفعت موجة برد قطبية عدد أيام التدفئة إلى مستوى أعلى بنسبة 22% من متوسط عشر سنوات .
ومع بقاء المخزونات منخفضة وخروج جزء معتبر من طاقة التكرير العالمية عن الخدمة، فإن أي موجة برد أقوى من المتوقع أو تعطل جديد قد يضغط على الإمدادات سريعاً .
لا ترتبط المشكلة بالحروب وحدها. فقد انكمشت طاقة التكرير العالمية بنحو 350 ألف برميل يومياً في الربع الثاني من 2025 نتيجة إغلاقات دائمة في أوروبا والصين. وتتوقع «بلومبرغ إن إي إف» انخفاض الطاقة الاسمية العالمية للتقطير الأولي بنحو 188 ألف برميل يومياً خلال 2025 .
ويعني ذلك أن بعض الضغوط قد تستمر حتى بعد عودة المنشآت المتضررة من الأعطال المؤقتة؛ إذ لا يمكن للإنتاج الجديد أو المصافي العاملة بطاقتها القصوى أن يعوض فوراً كل الإغلاقات الدائمة.
تتحول الصادرات الخام إلى متنفس مؤقت عندما تتوقف المصافي. فالخام الذي كان سيُعالج محلياً يُدفع بدلاً من ذلك إلى الأسواق الخارجية. وارتفعت صادرات روسيا من موانئها الغربية بنسبة 15% على أساس شهري في مايو 2026، قبل أن تصل إلى مستوى قياسي يقارب 3 ملايين برميل يومياً في يونيو، مع تراجع قدرة المصافي بسبب الهجمات .
لكن العلاقة ليست ثابتة. فعندما تحولت الهجمات الأوكرانية مؤقتاً بعيداً عن المصافي في أواخر يوليو 2026، انخفضت صادرات الخام الروسية إلى أقل من 4 ملايين برميل يومياً، إذ بقيت كميات أكبر من الخام داخل البلاد لتشغيل المصافي . ومن ثم، فإن عودة الهجمات إلى منشآت التكرير قد تدفع صادرات الخام إلى الارتفاع مجدداً .
تواجه روسيا مفارقة لافتة: يمكنها زيادة صادرات الخام لتعويض توقف المصافي، لكنها في الوقت نفسه تعاني نقصاً في البنزين والديزل داخل بعض المناطق. وقد بلغ الوضع حدة دفعت موسكو إلى بحث حظر صادرات الديزل والنظر في استيراد الوقود .
وفي يونيو 2026، أعلنت شبه جزيرة القرم الخاضعة للسيطرة الروسية حالة طوارئ بسبب نقص الوقود وحظرت مبيعاته، وبحلول يوليو كانت قيود الإمداد قد امتدت إلى معظم المناطق الروسية، وفق التقارير المتاحة .
وهنا تواجه الحكومة الروسية معادلة صعبة: تصدير الخام للحفاظ على الإيرادات، أو إبقاء ما يكفي من طاقة التكرير قيد التشغيل لتجنب نقص وقود محلي ذي كلفة سياسية مرتفعة.
تتجه سوق الوقود العالمية إلى الشتاء في ظل أساسيات هي الأكثر تشدداً منذ سنوات بالنسبة إلى المقطرات الوسطى. ويأتي ذلك نتيجة اجتماع ثلاثة عوامل: أضرار الحرب، الإغلاقات الدائمة، والأعطال المفاجئة. ولا تستطيع زيادة إنتاج الخام وحدها حل المشكلة، لأن عنق الزجاجة يقع في القدرة على تكريره وتحويله إلى منتجات نهائية.
ومع غموض مواعيد الإصلاح، واستمرار الهجمات، واقتراب ذروة الطلب على التدفئة، تبدو مخاطر أسعار الديزل ووقود الطائرات والبنزين مائلة بوضوح نحو الارتفاع. وسيكون العامل الحاسم خلال الأشهر المقبلة هو سرعة عودة المصافي المتوقفة، لا حجم الخام المتاح في الأسواق فقط.