وتصف كييف الحملة بأنها محاولة لتعطيل سلسلة التوريد المحلية الروسية و"إيصال الحرب إلى الروس العاديين". أما Wildberries، التي تشبه في حجمها ودورها شركة أمازون داخل السوق الروسية، فأصبحت هدفاً متكرراً بسبب انتشار مستودعاتها وقيمتها الرمزية واللوجستية . وتشير تقارير إلى أن الضربات أحرقت مخزونات تجارية تقدر قيمتها بمئات الملايين من الدولارات، مع تضرر أصحاب الأعمال الصغيرة الذين يعتمدون على المنصة .
لم تجرِ هذه الهجمات بمعزل عن التصعيد الجوي الأوسع بين الطرفين. فقد ردت روسيا بضربات واسعة على أوكرانيا، بينها قصف بالطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية استهدف كييف في 5 أغسطس، وأسفر عن مقتل 17 شخصاً على الأقل وإصابة 44، في واحدة من أكثر الهجمات دموية على العاصمة خلال عام 2026 .
وهكذا تحوّلت المستودعات ومراكز النقل والمنشآت التجارية إلى جزء من معركة أوسع على القدرة اللوجستية والقدرة على تحمّل الحرب، مع بقاء المدنيين والعاملين في هذه المواقع ضمن دائرة الخطر.
بالتوازي مع ضرب العمق الروسي، كثّفت أوكرانيا استخدام المسيّرات على الجبهة. وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في 4 أغسطس إن وحدات المسيّرات الأوكرانية قتلت أو أصابت بجروح بالغة 30,272 فرداً من القوات الروسية خلال يوليو وحده، موضحاً أن كل حالة مدرجة في الرقم مدعومة بتسجيل مصوّر واضح .
وقدّرت هيئة الأركان العامة الأوكرانية إجمالي خسائر الأفراد الروس في يوليو بـ42,860 فرداً، وهو أعلى رقم شهري خلال عام 2026، والمرة الأولى هذا العام التي تتجاوز فيها الخسائر حاجز 40 ألفاً . وبذلك تمثل الخسائر المنسوبة إلى المسيّرات نحو 71% من الإجمالي الشهري الذي أعلنته كييف .
وبحسب وزارة الدفاع الأوكرانية، قتلت هجمات الطائرات المسيّرة أو أصابت بجروح خطيرة 193,500 جندي روسي منذ بداية عام 2026 .
ينبغي التعامل مع هذه التقديرات بحذر؛ فهي أرقام صادرة عن الجيش الأوكراني ولا يمكن التحقق منها بصورة مستقلة. كما أن رقم 30,272 يشمل القتلى والمصابين بجروح بالغة، ويركز على الحالات التي وُصفت بأنها مؤكدة بالفيديو، ما يعني أنه قد لا يعكس إجمالي الخسائر الفعلية.
يرى محللو مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) أن الضغوط الاقتصادية والعسكرية والصناعية والديموغرافية على روسيا لم تجعل الحرب غير قابلة للاستمرار بالنسبة إلى الكرملين. ووفق تقييم المركز، لا تزال موسكو تعتقد أنها قادرة على كسب حرب الاستنزاف وإطالة أمدها إلى أن تتفوق على أوكرانيا وتستنزفها .
في المقابل، تشير بيانات معهد دراسة الحرب (ISW) إلى أن المكاسب الروسية على الأرض تتباطأ بشدة. فقد سيطرت القوات الروسية على 37.85 كيلومتراً مربعاً فقط من الأراضي الأوكرانية خلال يوليو 2026، من دون تحقيق تقدم ذي أهمية استراتيجية، فيما يقترب معدل التقدم من حالة جمود شبه تامة .
كما نقل معهد دراسة الحرب عن مقابلة مع جنرال روسي مجهول الهوية أن الكرملين يضخّم أحياناً نجاحاته الميدانية، ويتمسك بحرب استنزاف "لا تستطيع روسيا الانتصار فيها"، أملاً في دفع أوكرانيا والدول الغربية إلى الاستسلام لمطالبه . وتظل هذه الرواية غير مؤكدة، إذ تستند إلى مصدر مجهول نقلها صحفي روسي.
تقول تقديرات معهد دراسة الحرب إن أوكرانيا استعادت تفوقاً عاماً في مجال المسيّرات، ونجحت في نشر أنظمة قادرة على ضرب خطوط الإمداد الروسية في العمق العملياتي، أي خلف الخطوط الأمامية بمسافات كبيرة . وتُظهر ضربات Wildberries أن كييف قادرة على الوصول إلى أهداف تبعد بين 500 و800 كيلومتر عن الجبهة.
لكن هذا التفوق يواجه عدة قيود:
لذلك، فإن إرباك المستودعات وشبكات التوزيع يفرض كلفة حقيقية على الاقتصاد والحياة اليومية في روسيا، لكنه لا يساوي بالضرورة تعطيل آلة الحرب. وحتى الآن، لم تُجبر هذه الضربات بوتين على تغيير رهانه السياسي أو العسكري.
تدخل الحرب مرحلة يضرب فيها الطرفان البنية التحتية والقوى البشرية لدى الطرف الآخر، لكن أياً منهما لا يبدو قادراً على توجيه ضربة حاسمة. تمنح المسيّرات أوكرانيا وسيلة منخفضة الكلفة نسبياً للوصول إلى العمق الروسي وإلحاق أضرار لوجستية وبشرية، إلا أن أثرها الاستراتيجي لم يبلغ بعد مستوى يفرض تحولاً في حسابات موسكو .
أما بوتين، فتشير تقييمات الخبراء إلى أنه لا يزال مستعداً لمواصلة حرب الاستنزاف وتحمل خسائر مرتفعة، ما يعني أن نجاح أوكرانيا التكتيكي في ضرب مستودعات Wildberries أو رفع كلفة العمليات الروسية لا يضمن وحده تغيير مسار الحرب.