تندرج هذه الأهداف ضمن محاولة أوسع لإضعاف خطوط الإمداد الروسية وعزل القرم، التي ضمّتها موسكو بصورة غير قانونية عام 2014. وقد ركزت الضربات الأوكرانية خلال الأسابيع الماضية على الجسور والطاقة والمنشآت البحرية والقواعد الجوية في شبه الجزيرة .
استهدفت المسيّرات منشآت تكرير نفط قرب مدينة أوفا في جمهورية باشكورتوستان، الواقعة في منطقة الفولغا-الأورال، ما أدى إلى اندلاع حرائق عدة، وفق التقارير المتاحة . ويبرز هذا الهجوم مدى اتساع القدرة الأوكرانية على الوصول إلى أهداف تبعد أكثر من ألف كيلومتر عن حدودها.
لم يكن هجوم 1 أغسطس حادثة منفردة، بل محطة جديدة في حملة طويلة ومتصاعدة ضد قطاع الطاقة واللوجستيات الروسيين. ووفق تحليل أجرته صحيفة «فايننشال تايمز» بالتعاون مع شركة روشَن كونسلتنغ البولندية المتخصصة في شؤون الدفاع، استهدفت المسيّرات الأوكرانية المصافي والمنشآت الاستراتيجية للطاقة الروسية 194 مرة على الأقل منذ بداية عام 2026 وحتى أوائل يوليو . وبحلول نهاية يونيو، كان قد تأكد تضرر ثماني مصافٍ روسية كبرى .
وفي ليلة 7-8 يوليو، قالت روسيا إنها أسقطت 415 مسيّرة أوكرانية في مناطق عدة . كما وصفت وكالة «تاس» الروسية هجوماً وقع في 26 يونيو بأنه الأكبر خلال العام السابق، بينما أعلنت وزارة الدفاع الروسية اعتراض 660 مسيّرة في 12 منطقة .
وتشير بعض التقديرات إلى أن أوكرانيا استخدمت في مارس وحده أكثر من 7000 منظومة في ضربات بعيدة المدى، وأن بعضها وصل إلى مسافة تقارب 1500 كيلومتر داخل الأراضي الروسية . وهذه الأرقام، شأنها شأن بيانات الاعتراض الروسية، تستند إلى تقديرات أو إعلانات أطراف مختلفة وليست كلها قابلة للتحقق المستقل.
تطورت طريقة الاستهداف الأوكرانية خلال الأشهر الماضية. فبعد أن ركزت الضربات الأولى على إحداث حرائق في المناطق السطحية ومخازن الوقود، بدأ المخططون العسكريون الأوكرانيون في أواخر يوليو توجيه المسيّرات إلى مكونات صناعية يصعب استبدالها، مثل أعمدة التقطير والضواغط ووحدات التكسير التحفيزي .
الهدف من هذا التحول ليس مجرد إحداث انفجار أو حريق، بل إطالة فترة توقف المنشأة ورفع تكلفة الإصلاح أمام موسكو. وذكرت «فايننشال تايمز» في 30 يوليو أن هذه المقاربة تعكس سعياً إلى إلحاق ضرر أكثر استدامة بقدرة روسيا على تكرير النفط .
بحلول يوليو 2026، كانت غالبية المناطق الروسية تواجه قيوداً على الوقود، بما أثر في نحو 50 مليون شخص، أي قرابة 35% من السكان . كما فرض أكثر من 90% من المناطق الروسية شكلاً من أشكال التقنين أو أبلغ عن نقص في البنزين والديزل . واضطرت الحكومة الروسية، رغم مكانة البلاد بين كبار منتجي النفط عالمياً، إلى حظر عدد من صادرات الوقود .
وفي القرم، أوقفت السلطات المعيّنة من روسيا بيع البنزين للمدنيين بعد اضطراب سلاسل الإمداد . وقال معهد دراسة الحرب إن تصاعد الضربات على البنية النفطية سيزيد على الأرجح من نقص الإمدادات الروسية، خصوصاً مع ارتفاع الطلب، بما يضع الحكومة أمام مشكلة يصعب تجاهلها .
لم تقتصر تداعيات الحملة على المنشآت العسكرية والطاقة. فقد أدت الهجمات واسعة النطاق على موسكو خلال يونيو ويوليو إلى إغلاق مؤقت أو فرض قيود متكررة على مطارات رئيسية، بينها مطارات العاصمة، بسبب المخاطر التي رافقت تشغيل الدفاعات الجوية أمام حركة الطيران المدني .
كما نقلت الضربات أجواء الحرب إلى مناطق روسية بعيدة عن الجبهة. فقد أُبلغ عن حرائق وانفجارات في موسكو ومدن كبرى أخرى، ما جعل تأثير النزاع محسوساً لدى شرائح من السكان الروس على نحو لم يكن شائعاً خلال السنوات الأولى من الحرب الشاملة .
تسعى أوكرانيا من خلال ضرب الجسور والمنشآت البحرية والطاقة والقواعد الجوية إلى تقليص قدرة روسيا على إمداد قواتها في القرم، وإضعاف عمليات أسطول البحر الأسود في البحرين الأسود وآزوف . كما تهدف الحملة إلى إظهار أن موسكو تواجه صعوبة في حماية شبه الجزيرة التي تسيطر عليها.
وبحلول أواخر يوليو، تسببت الضربات المتكررة في انقطاعات للكهرباء في بلدات كاملة، وتعليق مبيعات الوقود، وإضعاف قدرة الأسطول الروسي على التحرك بأمان، وفق التقارير المتاحة . ويشير هجوم 1 أغسطس إلى أن الاستراتيجية الأوكرانية لا تركز على هدف واحد، بل تربط بين الضغط على الطاقة داخل روسيا وقطع طرق الإمداد وضرب البنية العسكرية في القرم.