أثارت هذه الأرقام شكوكاً واسعة بشأن الافتراض السائد بأن تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة يتطلب إنفاقاً رأسمالياً هائلاً وكميات غير محدودة من أحدث الرقائق. وفي 27 يناير 2025، هبطت أسهم شركات تقنية أميركية، من بينها Nvidia، بنحو 20%، فيما خسر مؤشر Nasdaq Composite أكثر من تريليون دولار من قيمته في يوم واحد .
لكن أهمية DeepSeek لم تكن في التكلفة وحدها. فقد أتاح النموذج أوزانه للتنزيل، ما مكّن المطورين حول العالم من استخدامه وبناء نماذج مشتقة منه من دون شراء وصول حصري إلى نظام مغلق .
خلال عام 2025، تجاوزت عائلة Qwen التابعة لـAlibaba عائلة Llama التابعة لـMeta لتصبح أكثر عائلات نماذج اللغة الكبيرة تنزيلًا على منصة Hugging Face . وبين أغسطس 2024 وأغسطس 2025، شكّل مطورو النماذج المفتوحة في الصين 17.1% من إجمالي التنزيلات على المنصة، مقارنةً بـ15.8% للمطورين الأميركيين .
وتبدو الفجوة أكبر عند النظر إلى النماذج المشتقة، أي النماذج التي يطوّرها آخرون بالاعتماد على نموذج أساسي. فبحسب تحليل أوردته Forbes، تمثل Qwen نحو 40% من النماذج الجديدة المضبوطة أو المكيّفة على Hugging Face .
ولا تقتصر هذه الموجة على شركة واحدة. إذ تنتج ما لا يقل عن 12 مؤسسة صينية نماذج مفتوحة الأوزان قريبة من مستوى الصدارة، وتشمل DeepSeek وAlibaba وMoonshot AI وBaidu وByteDance وZ.ai وغيرها .
| المؤشر | الرقم أو النتيجة |
|---|---|
| حصة المطورين الصينيين من تنزيلات Hugging Face بين أغسطس 2024 وأغسطس 2025 | 17.1%، مقابل 15.8% للمطورين الأميركيين |
| ترتيب Qwen وLlama على Hugging Face | تجاوزت Qwen عائلة Llama في 2025 |
| تكلفة تدريب DeepSeek R1 مقارنةً بنموذج غربي مماثل | نحو 5.5 ملايين دولار مقابل 80 إلى 100 مليون دولار |
| حصة استخدام النماذج المفتوحة في المؤسسات الأميركية | تراجعت من 19% إلى 11% في 2025، مع ركود Llama وصعود النماذج الصينية |
| عدد المؤسسات الصينية المنتجة لنماذج مفتوحة متقدمة | 12 مؤسسة على الأقل |
| تقدير استخدام الشركات الناشئة الأميركية لنماذج أساسية صينية | نحو 80%، وفق تقدير شريك في Andreessen Horowitz |
السبب العملي واضح: تحسّن الأداء مع انخفاض التكلفة. أفادت CNBC في يوليو 2026 بأن النماذج الصينية تكسب موطئ قدم لدى الشركات الأميركية لأنها تضيق الفجوة مع النماذج الأميركية الرائدة، مع بقائها أرخص بكثير في الاستخدام . كما ظلّت نسبة الرموز التي تعالجها الشركات الأميركية عبر نماذج صينية على منصة OpenRouter فوق 30% أسبوعياً منذ 8 فبراير، وبلغت في بعض الأسابيع 46% .
وقدّر شريك في شركة رأس المال المغامر Andreessen Horowitz أن نحو 80% من الشركات الناشئة الأميركية تستخدم نماذج أساسية صينية لتطوير نماذج أو تطبيقات مشتقة لأعمالها . وحتى الشركات الكبرى بدأت الاستفادة من هذه النماذج؛ إذ تستخدم Airbnb نموذج Qwen في روبوتات خدمة العملاء بسبب انخفاض تكلفته وقدراته المقارنة بالنماذج الأميركية الرائدة .
هذا لا يعني أن الشركات تخلت عن النماذج المغلقة. فالمؤسسات الكبرى لا تزال أكثر تحفظاً تجاه النماذج الصينية، وتظل اعتبارات الأمن والامتثال والخصوصية عاملاً مهماً. لكن وجود نموذج «جيد بما يكفي» يمكن تنزيله وتشغيله داخلياً يقلل كلفة التجربة، ويمنح الشركات سيطرة أكبر على بياناتها وبنيتها التقنية .
في استجابة مباشرة للضغط التنافسي، أطلقت OpenAI أول نموذج مفتوح لها منذ ست سنوات . كما دعت إدارة ترامب مزيداً من شركات التقنية الأميركية إلى إطلاق نماذج مفتوحة .
وتكشف هذه الخطوة عن تبدّل في المعادلة: فالشركة التي بنت جزءاً كبيراً من ميزتها حول النماذج المغلقة أصبحت مضطرة إلى التعامل مع احتمال أن تكون سرعة الانتشار، وكثرة المطورين، وتدفق التحسينات من مجتمع مفتوح، عوامل لا تقل أهمية عن التفوق في اختبارات الأداء.
مع ذلك، ينبغي الحذر من اختزال المشهد في رواية «التفوق الصيني الأقل تكلفة». فقد خلص تقييم CAISI التابع للمعهد الوطني للمعايير والتقنية الأميركي NIST في سبتمبر 2025 إلى أن أفضل نموذج أميركي تفوق على DeepSeek V3.1 في معظم الاختبارات. كما وجد التقييم أن نموذجاً أميركياً مرجعياً كان أقل تكلفة في المتوسط بنسبة 35% عند تنفيذ مهام بمستوى أداء مماثل عبر 13 معياراً . ويشير تحليل Stanford HAI إلى أن قياس الاستخدام الفعلي للنماذج بعد تنزيلها يظل صعباً بطبيعته .
داخل إدارة ترامب، لا يوجد توافق واضح حول كيفية الرد على صعود الذكاء الاصطناعي الصيني. فقد طرح وزير الخزانة سكوت بيسنت ومدير مكتب سياسة العلوم والتقنية في البيت الأبيض مايكل كراتسيوس أفكاراً متباينة، من دون إعلان سياسة موحدة حتى الآن .
وتدفع أجزاء من الإدارة نحو قيود قد تصل عملياً إلى حظر بعض النماذج الصينية المفتوحة. كما أفادت Axios بأن الإدارة قد تحظر نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية الأكثر تقدماً، في خطوة يمكن أن ترسخ هيمنة OpenAI وAnthropic في السوق الأميركية . لكن مصادر مطلعة على النقاشات الداخلية قالت لـPolitico إن اقتراحاً شاملاً بهذا الاتساع لم يكن مطروحاً بجدية في ذلك الوقت .
وفي يونيو 2026، استخدمت وزارة التجارة الأميركية ضوابط التصدير لإلزام Anthropic بتعليق الوصول إلى أحدث نماذجها المتقدمة، Fable 5 وMythos 5، بعد أيام من إطلاقها، عبر طلب تراخيص تصدير للوصول إليها . ويعكس ذلك اتساع نطاق أدوات الأمن القومي الأميركية من الرقائق والمعدات إلى البرمجيات والنماذج نفسها.
في 24 يوليو 2026، وقّعت Nvidia وMicrosoft وMeta وPalantir وأكثر من 20 شركة أخرى رسالة مشتركة دعت صانعي السياسات إلى تجنب «القيود المبكرة» على نماذج الذكاء الاصطناعي مفتوحة الأوزان. وحذرت الرسالة من أن القيود قد «تخنق المنافسة أو تدفع الابتكار إلى الخارج»، بل قد تدفع مزيداً من المستخدمين نحو الأنظمة الصينية .
مفارقة الموقف أن شركات التقنية نفسها تستفيد من النماذج المغلقة وتتنافس في تطويرها، لكنها ترى أن حظر النماذج المفتوحة سيحرم الشركات الأميركية والمطورين الصغار من أدوات منخفضة التكلفة، ويمنح الصين فرصة أكبر لتحديد معايير السوق العالمية.
لا تسير القيود في اتجاه واحد. فقد ذكرت Reuters في يوليو 2026 أن السلطات الصينية عقدت اجتماعات مع Alibaba وByteDance وZ.ai لمناقشة احتمال تقييد الوصول من خارج الصين إلى أكثر نماذجها تقدماً، بما في ذلك نماذج لم تُطرح بعد .
ويشير هذا النقاش إلى أن بكين، مثل واشنطن، بدأت تتعامل مع نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة بوصفها أصلاً استراتيجياً وطنياً، لا مجرد برامج متاحة للتصدير. وإذا طبّق الطرفان قيوداً على الوصول، فقد ينقسم النظام العالمي إلى منظومات تقنية منفصلة، مع اختلاف النماذج والمعايير وشروط الاستخدام من منطقة إلى أخرى.
يتهم مسؤولون أميركيون وشخصيات في وادي السيليكون بعض النماذج الصينية بأنها خضعت لعملية «التقطير»، أي أنها تعلّمت من مخرجات نماذج أميركية منافسة بطريقة يعتبرها منتقدون شكلاً من أشكال السرقة أو الاستفادة غير المصرح بها .
وفي 22 يوليو 2026، قال مايكل كراتسيوس إن إدارة ترامب تملك «معلومات تفيد بأن Moonshot AI قامت بتقطير نموذج Fable التابع لـAnthropic لتطوير نموذج K3»، واعتبر ذلك «سرقة لتقنية أميركية مملوكة» . كما يتهم مسؤولون أميركيون شركات الذكاء الاصطناعي الصينية بانتهاك ضوابط التصدير .
وتبقى هذه اتهامات سياسية وتقنية محل نزاع، لكنها تزيد صعوبة التمييز بين المنافسة المشروعة، واستخدام المعرفة المتاحة، وانتهاك الملكية الفكرية أو القيود القانونية.
فرضت الولايات المتحدة قيوداً على تصدير الرقائق المتقدمة إلى الصين في أكتوبر 2025، ما حدّ من وصول المختبرات الصينية إلى قدرات الحوسبة الأحدث. لكن هذه القيود حفّزت في الوقت نفسه الشركات الصينية على رفع كفاءة التدريب والتشغيل، وتحقيق نتائج متقدمة باستخدام عدد أقل من وحدات معالجة أقل قوة .
ويرى محللون في Brookings أن ضوابط التصدير لم تعطل البنية التحفيزية التي تدفع الشركات الصينية إلى تطوير قدراتها، بل قد تعزز أحياناً اعتمادها على الأولويات الوطنية . لذلك، فإن منع الرقائق قد يبطئ بعض المسارات، لكنه لا يعالج بالضرورة ميزة الانتشار السريع والتطبيق الصناعي للنماذج المفتوحة.
يصف تقرير صادر في مارس 2026 عن لجنة المراجعة الاقتصادية والأمنية الأميركية-الصينية استراتيجية الصين بأنها منظومة ذاتية التعزيز تُعرف بديناميكية «الحلقتين» .
تستهدف ضوابط التصدير الأميركية الحلقة الرقمية، وخصوصاً الوصول إلى الرقائق المتقدمة اللازمة لتدريب النماذج. لكنها أقل ملاءمة للحلقة المادية، حيث يتراكم التعلم من تطبيقات الذكاء الاصطناعي عبر قاعدة التصنيع الصينية .
أثبتت النماذج الصينية مفتوحة الأوزان أن الوصول إلى أداء قريب من مستوى الصدارة لا يتطلب بالضرورة نموذجاً مغلقاً واستثمارات ضخمة لا يقدر عليها إلا عدد قليل من الشركات. كما أظهرت أن الانتشار الواسع، وتنوع الاستخدامات، وقدرة المطورين على التعديل، يمكن أن تتحول إلى ميزة استراتيجية بحد ذاتها.
أما الولايات المتحدة فتواجه الآن معضلة صعبة: هل تفرض قيوداً على النماذج الصينية لحماية الملكية الفكرية والأمن القومي، أم تحافظ على سوق مفتوحة كي لا تخسر نفوذها ومطوريها؟ وفي المقابل، تدرس الصين تقييد وصول الخارج إلى نماذجها الأكثر تقدماً.
النتيجة النهائية، سواء اتجه الطرفان إلى الحظر أو إلى قيود انتقائية، ستحدد شكل البنية العالمية للذكاء الاصطناعي: هل تظل منظومة مترابطة تتنافس فيها النماذج المفتوحة والمغلقة، أم تنقسم إلى جدران تقنية متوازية تقودها اعتبارات الأمن القومي؟