وفي 27 يوليو وحده، هبط سهم ASML بما يصل إلى 8% خلال التداولات، وأنهى الجلسة منخفضًا بنحو 6%، بعدما محا مكاسبه المبكرة. كما امتد الضغط إلى شركات أميركية منافسة مثل Applied Materials وLam Research وKLA .
جاء ذلك الهبوط في أعقاب شهر ضعيف نسبيًا لأسهم أشباه الموصلات، التي تأثرت بجني الأرباح، ونتائج سامسونغ الأقل من التوقعات، ومخاوف من تأجيل العملاء لترقيات تقنية مرتفعة التكلفة. وكان تقرير الصين هو العامل الذي حوّل فترة التماسك إلى موجة بيع حادة .
يرتكز موقف المحللين على فجوة كبيرة بين أهمية الخبر رمزيًا وتأثيره التجاري القريب:
والأهم هو حجم الإنتاج. فالصين تستهدف تسليم نحو 5 آلات DUV في 2026 وحوالي 20 آلة في 2027، مقابل مئات الأنظمة التي تشحنها ASML سنويًا. كما أن دفتر طلبات الشركة الهولندية ممتلئ حتى عام 2027 .
بعبارة أخرى، يمثل الإعلان خطوة استراتيجية مهمة لبكين، لكنه لا يشير بعد إلى انتقال واسع للعملاء من معدات ASML إلى بديل صيني.
بدأ ائتلاف صيني مدعوم من الدولة، يضم هواوي وSiCarrier، إنتاج آلات طباعة ضوئية محلية بتقنية DUV المغمورة . ومن المتوقع تسليم هذه الآلات إلى شركات تصنيع رقائق صينية، من بينها SMIC وHua Hong وCXMT .
لكن الأهداف الأولية محدودة: نحو 5 أنظمة في 2026 ونحو 20 في 2027 . كما أفادت رويترز بأن الأنظمة ما زالت متأخرة من حيث الأداء والاعتمادية، وتحتاج إلى مزيد من الاختبارات قبل أن تضاهي جودة مخرجات معدات ASML .
وتكمن أهمية هذه الخطوة في أنها تمنح الصين قدرة محلية على إنتاج فئة من المعدات التي تستخدم في تصنيع رقائق متنوعة، لكنها لا تعني أن البلاد أتقنت كامل سلسلة التوريد أو وصلت إلى مستوى الإنتاج الصناعي المستقر الذي يتطلبه العملاء العالميون.
أما في مجال EUV، أو الطباعة الضوئية بالأشعة فوق البنفسجية القصوى، وهي التقنية الأكثر تقدمًا والأهم لصناعة الرقائق المتطورة، فما زالت الصين متأخرة بوضوح.
في ديسمبر 2025، أفادت رويترز بأن فريقًا من مهندسين سابقين في ASML بمدينة شنتشن أكمل نموذجًا أوليًا لآلة EUV ويختبره في مختبر شديد الحراسة . إلا أن النموذج لم ينتج حتى الآن رقائق عاملة .
وفي مارس 2026، دعا قادة قطاع الرقائق الصيني إلى مبادرة وطنية موحدة لتطوير أنظمة طباعة ضوئية كاملة بين عامي 2026 و2030. غير أنهم أقروا باستمرار فجوات كبيرة في برمجيات EDA، والمواد الأساسية، وتقنية EUV نفسها .
يبدو التأثير القريب محدودًا لعدة أسباب. فمن المتوقع أن تمثل الصين نحو 20% من صافي مبيعات ASML في 2026، وفقًا للمدير المالي للشركة روجر داسن، مقارنة بـ44% في 2024 و42% في 2025 .
كذلك، انخفضت حصة مبيعات DUV من إجمالي مبيعات ASML من 44% في 2024 إلى 29% في أحدث ربع . ومع تنامي وزن معدات EUV الأعلى سعرًا وربحية، أصبحت الشركة أقل اعتمادًا نسبيًا على مبيعات DUV وحدها.
وتبقى آلات EUV المتقدمة، التي تُعد الأكثر أهمية من الناحية التقنية والأعلى ربحية، خارج متناول الصين تجاريًا في المستقبل المنظور . وقدّر بنك أوف أميركا أنه حتى لو نجحت الصين في الحصول محليًا على 20 أداة غمر من نوع فلوريد الأرجون، فإن ذلك سيؤثر في مبيعات ASML للعام المقبل بنحو 1.4 مليار يورو فقط، أو 2.4% .
يكشف هذا التطور عن المأزق الجيوسياسي الذي تجد ASML نفسها فيه. فمن جهة، تفرض الولايات المتحدة قيودًا على تصدير معدات تصنيع الرقائق إلى الصين؛ ومن جهة أخرى، تدفع القيود بكين إلى تسريع برنامجها للاعتماد على الذات.
وتمنع الضوابط الأميركية ASML بالفعل من شحن آلات EUV الأكثر تقدمًا إلى الصين، كما اتسعت القيود لتشمل بعض معدات DUV الأقل تقدمًا . وفي المقابل، تتبع الصين استراتيجية متعددة المسارات لتجاوز حظر الرقائق الأميركي، تشمل تطوير آلاتها الخاصة، وتجميع رقائق الذكاء الاصطناعي لرفع الأداء، وربما الحصول على معدات ASML عبر قنوات غير مصرح بها .
كما أفادت تقارير بأن وزير التجارة الأميركي هوارد لوتنيك ناقش مع كبار مسؤولي ASML مخاوف من احتمال وصول إحدى آلات EUV التابعة للشركة إلى الصين في خرق لقيود التصدير .
ولا تستطيع ASML التحكم في وجهات عمل موظفيها السابقين. ويُقال إن فريق نموذج EUV في شنتشن يضم مهندسين سابقين من الشركة، رغم تأكيد ASML التزام هؤلاء باتفاقيات السرية، ولجوء الشركة في بعض الحالات إلى إجراءات قانونية ردًا على سرقة أسرار تجارية .
لذلك تواجه الحكومة الهولندية ضغوطًا متواصلة من واشنطن لتشديد القيود، ما يضع ASML في قلب شدّ وجذب بين الصين، التي كانت سوقًا رئيسية لها تاريخيًا، والولايات المتحدة، حليفتها السياسية والتجارية الأهم .
يمثل إنتاج الصين لآلات DUV محلية إنجازًا مهمًا في مسار الاكتفاء الذاتي الصيني، وتحديًا رمزيًا لاحتكار ASML. لكنه لا يرقى حتى الآن إلى تهديد تجاري مباشر.
فالأرقام تشير إلى 5 آلات صينية هذا العام مقابل مئات الأنظمة التي تشحنها ASML، فيما يظل دفتر طلبات الشركة ممتلئًا حتى 2027، وتبقى الصين متأخرة في مجال EUV الأكثر تقدمًا. لذلك يبدو أن موجة الهلع التي محت نحو 60 مليار يورو من قيمة ASML سعّرت تهديدًا حقيقيًا، لكنه على الأرجح يحتاج إلى سنوات قبل أن ينعكس ماديًا على إيرادات الشركة أو موقعها التنافسي.