لكن الدعوة إلى المساءلة تأتي في لحظة تكون فيها قوة الأمم المتحدة في مالي في أضعف حالاتها. فقد انسحبت بعثة حفظ السلام (مينوسما) في عام 2023، واتخذ المجلس العسكري موقفاً عدائياً صارماً تجاه الهيئات الدولية . مجزرة تابتشيرات ليست جريمة منعزلة: إنها علامة دموية على عام شهد تحالفاً غير مسبوق بين القوات الانفصالية والجهادية اجتاح تدريجياً شمال ووسط مالي، كاشفاً فشل الاستراتيجية الأمنية للمجلس العسكري المدعومة من روسيا .
وقع الكمين في 18 يوليو 2026، على الطريق بين بلدة أنيفيس ومدينة غاو في شمال شرق مالي . كان عملية مشتركة بين جبهة تحرير أزواد الانفصالية الطوارقية وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم القاعدة .
قُتل ما لا يقل عن 50 جندياً مالياً، ووصفت القوات المسلحة المالية الهجوم بأنه أحد أكثر الهجمات دموية في السنوات الأخيرة . وأبلغ مصدر مقرب من جبهة تحرير أزواد رويترز بأن أكثر من 50 أسيراً أُخذوا وأن العديد منهم أُعدم لاحقاً . وتداولت مقاطع فيديو على الإنترنت تظهر مقاتلين يعدمون جنوداً أسرى وأيديهم على رؤوسهم . وأشارت المجموعتان إلى أن الجنود استسلموا، وهو ما يجعل القتل بموجب القانون الإنساني الدولي جريمة حرب محتملة .
وكانت دعوة الأمم المتحدة للتحقيق صريحة: ذكر مكتب حقوق الإنسان أن "ظروف الحادث تتطلب فحصاً مستقلاً" وأن الأفعال "قد ترقى إلى جرائم حرب بموجب القانون الدولي" .
تواجه مالي في عام 2026 أشد أزماتها الأمنية منذ أكثر من عقد . ما صاغه المجلس العسكري الحاكم في البداية باعتباره "تحولاً سيادياً" بعيداً عن الاعتماد على الغرب، بطرد القوات الفرنسية وبعثة حفظ السلام مينوسما، أنتج بدلاً من ذلك مشهداً أمنياً مجزأً تستغله الجماعات المسلحة .
بعد انقلابات 2020 و2021، طرد المجلس العسكري في مالي القوات الفرنسية والأوروبية، ودعا مجموعة فاغنر الروسية لتوفير الأمن بدءاً من عام 2021 . في يونيو 2025، أعلنت فاغنر انسحابها من مالي بعد أن قالت إنها "أكملت مهمتها"، وحل محلها فيلق أفريقيا، وهي قوة شبه عسكرية أنشأتها وزارة الدفاع الروسية لتعمل تحت إشراف الكرملين المباشر .
ورغم هذا التسليم، فإن فيلق أفريقيا الروسي يعاني بشدة. في أبريل 2026، طُرد جنود فيلق أفريقيا من كيدال، معقل المتمردين الطوارق، دون إبداء مقاومة . ويصف المحللون هذا بأنه دليل واضح على محدودية القدرات العسكرية الروسية في منطقة الساحل . ووثق تقرير صادر عن منظمة "ذا سينتري" في مايو 2026 وصول قوافل عسكرية روسية ضخمة، بما في ذلك دبابات وعربات مصفحة وقوارب، إلى باماكو في أوائل عام 2025، مما يشير إلى استثمار لوجستي متزايد، لكن مجموعة فاغنر فشلت في تحقيق أي انتصارات ميدانية مهمة في شمال ووسط مالي .
كما تم توثيق حالات لجنود ماليين ومرتزقة روس يرتكبون فظائع، بما في ذلك قطع الرؤوس والتعذيب، بحق مدنيين يشتبه في تعاونهم مع الجهاديين . وأنفقت مالي ما يقرب من مليار دولار على مقاتلي مجموعة فاغنر وفيلق أفريقيا منذ أواخر عام 2021 .
منذ 25 أبريل 2026، تشن جبهة تحرير أزواد وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين هجمات منسقة متعددة الجبهات عبر مالي، وهي المرة الأولى التي يقاتل فيها الانفصاليون الطوارق والجهاديون بطريقة متزامنة بهذا الحجم .
أفادت صحيفة الغارديان وفرانس 24 أن هذه الهجمات كشفت ضعف المجلس العسكري المدعوم من روسيا ومثلت فشلاً استراتيجياً كبيراً لقواته الأمنية . ووصفت فرانس 24 مالي بأنها تواجه "أشد أزماتها الأمنية منذ أكثر من عقد" .
دعوة الأمم المتحدة للتحقيق في مقتل تابتشيرات لا لبس فيها، لكن قدرتها العملية على فرض المساءلة مقيدة بشدة. بعد انسحاب مينوسما، ليس للأمم المتحدة وجود لحفظ السلام على الأرض في مالي. حظر المجلس العسكري الأحزاب السياسية، وشدد الخناق على الإعلام والمعارضة، ورفع الجنرال أسيمي غويتا إلى منصب الرئيس، مما ضيق المجال المدني . يعتمد طلب مكتب حقوق الإنسان على تعاون أطراف أظهرت القليل من الاستعداد للخضوع للتدقيق الدولي.
التقييم الموجز: مجزرة 18 يوليو في تابتشيرات ليست حادثة منعزلة. إنها أحدث وأكثر مظاهر دموية لتقاطع عوامل أوسع: فشل الاستراتيجية الأمنية للمجلس العسكري، وعدم كفاءة القوات الروسية، وتحالف جديد قوي بين الجماعات الانفصالية والجهادية يجتاح تدريجياً شمال ووسط مالي. دعت الأمم المتحدة إلى المساءلة بشأن مقتل تابتشيرات، لكن نفوذها محدود بعد انسحاب مينوسما والموقف العدائي للمجلس العسكري تجاه الهيئات الدولية.